«مفاجأة سعيدة»…

«مفاجأة سعيدة»…

خير الله خير الله

لا حاجة الى ادلّة كثيرة لكشف الدرك الذي وصلت اليه حال سورية بفضل النظام الذي يقف على رأسه بشّار الاسد. لعلّ آخر دليل على مدى الانحدار السوري انّه ليس معروفا المكان الذي انعقد فيه اللقاء بين الأسد الابن ووزير الدفاع الروسي سرغي شويغو الذي حطّ فجأة، قبل ايّام، في الأراضي السورية لتفقّد قواته وإبلاغ رئيس النظام الأسد رسالة ما. ربّما كان المكان الذي التقى فيه الرجلان في دمشق نفسها او ان وزير الدفاع الروسي استدعى بشّار الى قاعدة حميميم قرب اللاذقية ليبلغه فحوى رسالة ذات طابع سري تتعلّق بمستقبله الذي صار جزءا من الماضي.

كشف الشريط القصير الذي بثّه التلفزيون الروسي (بالصوت والصورة) عن بداية اللقاء، ان رئيس النظام السوري «فوجئ» بمجيء سرغي شويغو الى البلد. تقول بداية الشريط كلّ شيء. فكلّ شيء عن الزيارة في هذا الشريط القصير وفي كلمة واحدة هي كلمة «المفاجأة». استنادا الى الشريط رحّب بشّار الأسد بالوزير الروسي واصفا زيارته بانّها «مفاجأة سعيدة». هذا يعني بكل وضوح ان وزير الدفاع الروسي صار يستطيع المجيء الى سورية من دون مشاورات مسبقة او اذن مثله مثل الطائرات الإسرائيلية التي تضرب من تشاء ساعة تشاء. تفعل ذلك في ظلّ وجود الحلف الروسي ـ الإسرائيلي الذي تكرس منذ اليوم الاوّل لاعلان موسكو انّها قرّرت التدخل عسكريا في سورية قبل نحو عشرة اشهر.

ينقل بشّار الأسد سورية والسوريين من مفاجأة الى أخرى. لم يشبع من المفاجآت ولم يشبع السوريون والعرب من مفاجآته. تاريخ الرجل مفاجآت بمفاجآت. كان الاستثناء الوحيد وصوله الى السلطة، عن طريق الصدفة بدل عن طريق المفاجأة، خلفا لوالده حسب خطة مدروسة اعدّها اركان العائلة. لكنّ هذا الحدث عائد أساسا الى مفاجأة أخرى هي مقتل شقيقه الأكبر باسل في حادث سير عند مدخل مطار دمشق مطلع العام 1994.

فاجأ بشّار الأسد مواطنيه منذ توليه السلطة بافكاره الساذجة من نوع انّه قادر على إقامة توازن استراتيجي مع إسرائيل بواسطة «حزب الله» وصواريخه الموجودة في الأراضي اللبنانية. لم يدرك انّ والده عرف جيّدا كيف يبقي على مسافة معيّنة بين النظام و«حزب الله» وذلك كي لا يكون تحت رحمته لا في لبنان ولا في غير لبنان.

تظل المفاجأة الأكبر التي اقدم عليها المشاركة بطريقة او باخرى في اغتيال رفيق الحريري ورفاقه بعد التمديد لاميل لحود الذي كان رئيسا للجمهورية. مدّد الأسد بالقوة ولاية لحود الذي لم يكن سوى موظّف برتبة مدير عام في الرئاسة السورية، وذلك على الرغم من صدور القرار الرقم 1559 عن مجلس الامن التابع للأمم المتحدة… هذا القرار الذي اعتبر النظام السوري في البداية انه غير معني به، الى ان اكتشف انّه المعني الاول هو و«حزب الله» بصفة كونه ميليشيا مذهبية لا همّ لها سوى تدمير مؤسسات الدولة اللبنانية. سعى المجتمع الدولي عبر القرار 1559 الذي يتطابق كلّيا مع اتفاق الطائف الى حماية لبنان ومؤسسات الدولة بعدما استباح النظام السوري وحليفه الايراني كلّ شيء في الوطن الصغير.

بات الآن معروفا من نفّذ الجريمة التي ادّت في نهاية المطاف الى خروج القوات السورية في لبنان. كانت النتيجة ان النفوذ السوري في لبنان صار يعتمد كلّيا على ايران. هل يمكن لشخص ان يكون بغباء الأسد حتّى يقدم على خطوة المشاركة في اغتيال الحريري غير مدرك للنتائج التي ستترتب على ذلك؟ لم يدرك بشّار طبيعة ردّ فعل اللبنانيين، كما لم يدرك ان خروج قواته من لبنان هي الخطوة الاولى على طريق خروجه من سورية. فاجأ اللبنانيون الأسد ردّا على مفاجئته لهم بالمشاركة باغتيال الحريري وتوفير غطاء لتلك الجريمة الموصوفة.

في العام 2011، بعد ست سنوات على اغتيال الحريري، تفاجأ الأسد بالشعب السوري يثور عليه وعلى نظامه. لم يستوعب الى اليوم معنى وجود ثورة شعبية حقيقية في سورية وانّه كان عليه منذ اليوم الاوّل جمع مليارات الدولارات التي يمتلكها مع افراد عائلته والعيش في مكان آمن مستمتعا بتلك الثروة الضخمة التي كانت وقتذاك في تصرّفه.

اختار الأسد الابن التعامي عن الذي يجري في سورية. كان مفهوما انّه لا يعرف شيئا عن لبنان واللبنانيين، خصوصا عن اهل السنّة في هذا البلد الجار. ولكن هل كان طبيعيا ان يكون الأسد جاهلا بسورية والسوريين الى الحد الذي صار فيه تحت رحمة الميليشيات الايرانية داخل دمشق نفسها؟

طبيعي ان يفاجئ وجود وزير الدفاع الروسي في سورية، الأسد. المفاجأة غير سعيدة اطلاقا لرئيس النظام السوري، على العكس مما ورد على لسانه في الشريط. تبيّن انّ الأسد لا يعرف شيئا لا عن لبنان ولا عن سورية نفسها ولا عن ايران ولا عن روسيا وقيصرها الجديد فلاديمير بوتين. لم يسأل نفسه ما الثمن الذي تريده روسيا المفلسة لقاء ارسال قوات الى سورية وتأمين غطاء جوّي للميليشيات الايرانية وتلك التابعة للنظام عندما تجد ذلك مناسبا لها؟

لا يعرف ان بوتين صار حليفا لإسرائيل لانّه يريد ان يحمي نفسه من الضغوط الأميركية والأوروبية. امّنت إسرائيل له هذه الحماية في وقت لم يعد من وزن سياسي يذكر لاوروبا، فيما قرّرت إدارة أوباما الاستسلام لما يريده بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي. بات نتنياهو يعتبر الجولان المحتل قضيّة منتهية، لذلك عقد مجلس الوزراء الاسرائيلي جلسة فيه قبل بضعة اسابيع. الجولان هو الجائزة التي قررها لإسرائيل المصرّة على بقاء الأسد في دمشق أطول فترة ممكنة نظرا الى انّه ضمانة اكيدة لتفكيك سورية الى الابد من جهة والانتهاء مؤسسات الدولة فيها من جهة اخرى.

في حال كان مطلوبا تعداد مفاجآت الأسد، تبدو اللائحة طويلة، بل طويلة جدّا. هناك مفاجأة انّه لم يحسن حتّى من الاستفادة من الفرصة التي وفّرها له الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز، رحمه الله، الذي سامحه في مرحلة معيّنة على كلّ ما ارتكبه في حق لبنان والعرب وفي حق السوريين. أراد إنقاذه لعلّ ذلك يساعد في تحسين الوضع العربي. ولكن ما العمل مع شخص يظنّ ان روسيا او ايران جمعية خيرية وان إسرائيل لا يمكن ان تستغني عنه؟

هل تتوقف مفاجآت الأسد عند مكان ما ويستوعب أخيرا انّ كلّ كلامه عن السيادة والحرب على الإرهاب لم يعد من معنى له ما دام وزير الدفاع الروسي صار يأتي الى سورية من دون اذن وان الايرانيين وادواتهم المعروفة من طينة «حزب الله» والميليشيات المذهبية يسرحون ويمرحون في ظل تفاهم روسي ـ إسرائيلي؟ الأكيد ان المفاجأة المقبلة لرئيس النظام السوري لن تكون «سعيدة»، خاصة انّ لكل لاعب في سورية حساباته. للروسي حساباته وللايراني حساباته وللاسرائيلي حساباته وللتركي حساباته. كلّ هذه الحسابات لا تتفق مع حسابات الأسد الذي اعتقد انّه يستطيع استخدام الآخرين للبقاء في السلطة. قد يكتشف يوما ان كلّ ما يستطيعه هو لعب الدور المطلوب منه للانتهاء من سورية التي عرفناها وانّه ليس سوى أداة، عن سابق تصوّر وتصميم، في تنفيذ هذه المهمّة البائسة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع