الإمارات وحرب الضرورة

الإمارات وحرب الضرورة

محمد خلفان الصوافي

لعل الأخطر على استقرار أمن دول مجلس التعاون الخليجي من فقدان الشرعية في اليمن ومن تصلب الانقلابيين في مواقفهم السياسية، هو تمدد نفوذ إيران في المنطقة الجنوبية من «دول التعاون»، بعدما أصبحت المنطقة الشمالية تحت سيطرتها (العراق وسوريا)، ومحاولة تكرار نموذج ميليشيات «حزب الله» اللبناني في اليمن، لأنه بذلك ستكون هذه الدول بين فكي «الكماشة الإيرانية»، وربما هذا السبب هو الأكثر إلحاحاً في القرار الخليجي بالدخول اضطرارياً في حرب تحرير اليمن.

لم تكن الحرب يوماً خياراً إماراتياً أو خليجياً في استراتيجية حماية أمنها الوطني، والدليل على ذلك أن شرارة الصراع العربي الإيراني انطلقت في عام 1979، ومع ذلك لم تفكر الدول الخليجية في الحرب، وبقي الأمر في إطار التجاذبات السياسية.

تغيرت مؤخراً صورة المناوشات مع إيران تماماً، فبدأ الحديث عن تمدد نفوذها في الداخل العربي حديثاً متداولاً، ما يعني أن أمن هذه الدول سيكون مهدداً ما لم تتحرك لكبح التدخلات الإيرانية، لاسيما أن هذا التمدد قد بدأ الحديث عنه علي أكبر ولايتي مستشار المرشد ووزير الخارجية الأسبق، وبالتالي كان من الطبيعي أن تكون الحرب هي الخيار الأنسب، فالمسألة ليست كلام جرائد، بل حديث يجري على ألسنة بعض القادة الإيرانيين.

والمشكلة أن صدى التمدد الإيراني أعطى انطباعاً عربياً بالضعف، كما أن الحديث عن عدم القدرة على الدفاع عن مصالح العرب قابله طموح سياسي إيراني في استغلال الفراغ السياسي والأمني في اليمن لتطويق دول التعاون الخليجي من خلال دعم ميليشيات الحوثي بالأسلحة، ومعها فلول نظام علي عبدالله صالح، فكان لابد لهذه الحرب على الأقل من أجل إعادة الروح إلى الجسد السياسي العربي.

الحرب كانت من أجل المحافظة على اليمن، ولهذا نجد الدعم الخليجي الكامل لإنجاح واحد من أهداف هذه الحرب، وهو إجبار الانقلابيين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات في الكويت، ومن ثم انتقال الملف إلى مجلس الأمن.

لا شك في أن الأهداف الثلاثة للحرب، والتي أوضحها معالي وزير الدولة للشؤون الخارجية الدكتور أنور قرقاش، يكفي كل واحد منها لأن يمثل سبباً مستقلاً للتدخل الخليجي في اليمن، وذلك لأسباب كثيرة، منها أن اليمن هو الخاصرة الأمنية، ليس لدول الخليج فقط، وإنما للعرب عموماً، وبالتالي فإن أي ضعف في هذه الخاصرة يؤثر على الاستقرار العربي، فضلاً عن أن الساحة اليمنية تموج بالكثير من الحركات المتطرفة، مثل «القاعدة» والحوثيين. لكن يبقى في أولويات الإستراتيجية الخليجية أن التدخل الإيراني ونصب منصات للصواريخ باتجاه السعودية له دلالاته السياسية والأمنية.

الذاكرة السياسية العربية والخليجية على وجه الخصوص تحتفظ بالكثير من المواقف الإيرانية غير الإيجابية فيما يخص زعزعة الاستقرار، وهذا تسبب في ارتفاع منسوب «توتير العلاقات». ومن هذا المنطلق كان هناك ميل لدى الكثير من المراقبين لضرورة التحلي بـ«تكشير الأنياب» ضد السياسات الإيرانية، وتعريف إيران بأنه يمكن الوقوف في وجه طموحاتها إذا تطلب الأمر ذلك، بل إن البعض ذهب بعيداً إلى أهمية إرسال رسالة للقوى الدولية بأن دول مجلس التعاون الخليجي لديها إرادتها السياسية حينما تشعر بتقاعس الحلفاء.

وبعيداً عن الدبلوماسية، فإن إيران هي «عدو» استراتيجي وتاريخي بالنسبة للدول العربية، لأسباب لها علاقة بالتنافس على الهيمنة الإقليمية، وهي تخطط لإعادة مجدها الصفوي إذا تكلمنا من الناحية الأيديولوجية المذهبية، أو إعادة إمبراطوريتها الفارسية من الناحية العرقية.. وبالتالي فالحديث عن فترات مد وجزر أو حساسيات سياسية خاطفة معها أمر مستبعد، بل إن القلق الدائم والمستمر هو الذي تسعى إليه. وللدلالة على ذلك تكفي متابعة ما تفعله إيران في العراق، إذ تقوم بتنفيذ أجندات سياسية معروفة الآن للجميع.

ووفق هذا المنظور، فإن تقييم موقف إيران من الدول العربية ينبغي أن يكون له وضع خاص أثناء دراسة العلاقات الخليجية معها، وعدم ربطها بتلك الخلافات التي تظهر بشكل طبيعي بين الدول، لأنه ليس مفهوماً لدى الكثير من المراقبين «سعي إيران» الدائم إلى تخريب المجتمعات العربية بأي طريقة وأي تكلفة، مع أنها لا تفعل الشيء ذاته مع الدول الأخرى.

عندما تواجه دول التعاون الخليجي كل تلك الممارسات من جانب إيران، ولا تحرك ساكناً لوضع حد لهذه التدخلات، فإن التفسير الوحيد لذلك أن هناك خللاً استراتيجياً في رؤيتها لأمنها الوطني تنبغي مراجعته والمسارعة إلى علاجه!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع