اتفاقية كيري- لافروف!

اتفاقية كيري- لافروف!

محمد خلفان الصوافي

يبدو أن هناك قناعة لدى بعض المراقبين (وهم كثر) في العالم ككل وليس العالم العربي فقط، بأن المنطقة العربية أمام مرحلة جديدة من اتفاقية «سايكس- بيكو» التي تمت في عام 1916 بعد تفاهم سري بين الدبلوماسيين الفرنسي فرانسوا بيكو والبريطاني مارك سايكس، والتي كان نتاجها تقسيم المنطقة العربية إلى مناطق نفوذ بين فرنسا وبريطانيا، القوتين العظميين في ذلك الوقت، لكن هذه المرة ستحمل الاتفاقية الجديدة مسمى «كيري- لافرورف»، وزيري الخارجية الأميركي والروسي، وكما يبدو للمراقب فإن هذين الوزرين هما الآن المهندسين الرئيسيين للكثير من الأزمات في المنطقة، بل هناك مؤشرات على إعادة هندسة المنطقة، وما يجعل لقاءاتهما مثيرة لقلق العرب، أنه رغم كثرت تلك اللقاءات، فإن نتائجها غير محسوسة على الأرض، إلا فيما يخص إبعاد دولتيهما عن أي تأثيرات سلبية في الأزمات الحالية، وهو ما يجعل عنصر المفاجأة بإعلان أي اتفاق حول مستقبل المنطقة أمراً غير مستبعد عند البعض، بل يذهب بعضهم إلى أن الاتفاقية ستعلن خلال عام 2017.

التظاهر الإعلامي الذي يبديه الوزيران من أن هناك محاولات من قبلهما من أجل إيجاد حلول للأزمات المنتشرة في المنطقة، لا يعني بالضرورة أنها محاولات حقيقية، أو أنها تعمل من أجل استقرار المنطقة، فعلى سبيل المثال هناك اليوم حديث عن تمدد «داعش» في كل المنطقة العربية تقريباً، مع أن روسيا دخلت سوريا زاعمة أن ذلك من أجل قتال هذا التنظيم الإرهابي، لكنها خرجت منها دون أن تفعل شيئاً لـ«داعش» الذي تقول الأنباء إنه بدأ «يتضخم» كثيراً في ليبيا بعدما دمر سوريا والعراق. أما الولايات المتحدة فإنها تتبع سياسة «غض الطرف» عن تلك الأزمات (التي أضحت معقدة بفعل سياستها أو مبدأ أوباما) طالما لم تمس مصالحها الاستراتيجية مباشرة، بل إن واشنطن تبذل جهداً من أجل أن تتقارب مع الراعي الأول لإثارة الفوضى في المنطقة، ألا وهو إيران، وتحاول تمكينه سياسياً في المنطقة على حساب حلفائها التقليديين من العرب، في صورة مشابهة لما فعلته بريطانيا بالعرب بعد الحرب العالمية الأولى عندما تخلت عنهم ولم تفِ بوعدها لهم حول نيل الاستقلال.

التنسيق المكثف بين الثنائي كيري-لافروف، والذي يتزامن مع الذكرى المئوية لاتفاقية سايكس- بيكو، يستدعي العديد من الصور التي باتت تتكرر في المنطقة وتدفع الكثيرين لملاحظة المؤشرات الدالة على إمكانية عودة الاتفاقية بصورة مختلفة قليلاً أو كثيراً، فإذا كانت الاتفاقية القديمة خرجت بـ«وعد بلفور»، الذي ترك للمنطقة إرثاً سياسياً جعلها تعيش حتى يومنا في صراعات جيوبوليتكية وجيوعرقية لا تعرف الخروج منها، فإنه ينبغي أن لا نستغرب لو ظهر وعد جديد، لكن هذه المرة من واشنطن وموسكو لإيران، ولتكن دولة طائفية هي الدولة الوحيدة المرضي عنها من الدولتين العظميين في عالم اليوم، فإيران «تعربد» في سوريا بموافقة ولو ضمنية من روسيا، كما تفعل الشيء نفسه في العراق، وتحاول أن تخلق فوضى في المنطقة دون أي انزعاج أميركي من سياستها، والنتيجة من وراء كل ذلك هي تفاقم عملية خلط الأوراق في المنطقة.

ووفقاً لما يتم على الأرض، فإنه يمكن القول بأن الولايات المتحدة وروسيا هما الراعيان الرسميان لاستمرار حالة الفوضى في المنطقة حالياً، وذلك من خلال تنظيم «داعش»، وإيران المثيرين للفوضى في الإقليم. وفي مقابل ذلك تعمل الدولتان على عرقلة أي محاولات عربية لمعالجة الأزمات في المنطقة، وإذا كانت تلك العرقلة واضحة في سوريا، حيث تسمح روسيا بأن تفعل إيران ما تريده هناك وتعرقل أي مشروع سياسي عربي، فإن الولايات المتحدة باتفاقها «النووي» مع إيران أيضاً ومحاولة تمكينها أمنياً لنظام الملالي في المنطقة، تعطيها الضوء الأخضر لتفعل ما يحلو لها.

تمر المنطقة بمرحلة تاريخية تبدو فيها التحركات الأميركية الروسية هي الأبرز، كما يبدو أن تأثيرات هذه المرحلة ستكون عميقة على الدول العربية. لهذا ينبغي على العرب أن لا يثقوا كثيراً في سياسة الدولتين العظميين وقولهما بأنهما تعملان من أجل إحداث نقلة في أزمات المنطقة بعيداً عن مصالحهما، وإلا فسيبدو كما لو أن التاريخ يعيد نفسه كما حدث في عام 1916، وبالتالي يظهر العرب وكأنهم لا يتعلمون من تجاربهم السابقة.

إن هناك عملاً على إعادة تصميم المنطقة «جيوبولوتيكياً» وإعادة ترسيم الخرائط العربية من قبل السياسة الدولية، لذلك فسيكون من قبيل الواقعية أن يفكر العرب كيف يمكنهم الخروج بأقل الخسائر منها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com