الدول الوطنية والجيل الرابع من الحروب

الدول الوطنية والجيل الرابع من الحروب

محمد خلفان الصوافي

مثل فعاليات مؤتمر « الجيل الرابع من الحروب» الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية -والذي اختتم أعماله أمس- مبادرة للمفكرين العرب ولصناع القرار نحو إعادة قراءة الأحداث التي تمت منذ أواخر عام 2011، والتي عرفت باسم «الربيع العربي»، ولا تزال تأثيراتها السلبية إلى اليوم، بعدما تسببت مواقف بعض الجماعات والأفراد، وبالأخص جماعة «الإخوان المسلمين»، في تشويه مجتمعات هذه الدول وإثارة فوضى سياسية وأمنية.

المؤتمر، بشكل عام، سلط الضوء على الكثير من الجوانب المتعلقة على هذا النوع من الحروب، حيث طُرح العديد من الآراء المختلفة والخبرات المتعددة حولها، لكن تركيز الباحث العربي انصب على حالة الابتلاء التي أصيبت بها المجتمعات العربية من بعض أبنائها للأسف الشديد، خاصة من الذين يصنفون ضمن شريحة «المثقفين»، ويحملون درجات علمية عليا، بل وعندما ينجحون في أهدافهم التخريبية يتم تكريمهم مثل توكل كرمان. هذه واحدة من سمات هذه الحرب، على اعتبار أن التلاعب بأفكار الناس كان يقتصر على الجهلاء في السابق، لكن اليوم أصبح العكس.

وحقيقة الأمر فإن أخطر ما يواجهه أي مجتمع من تحد هو أن يمثل بعض أبنائه أداة هدم، سواء بإدراك منهم أو بدونه، لأن أي دولة في هذه الحالة ستكون عرضة للتيه والضياع، باعتبار أنهم يتكلمون عن مفاهيم وطنية وشعارات تبدو في شكلها النظري جميلة، لكنها في الحقيقة تدمر كيانات الدول، وهذا ما يحدث في العالم العربي، ولعل الاستثناء الوحيد منه هو دول الخليج العربي، وذلك نتيجة لإدراك القيادات خطورة الوضع بعدما تم كشف المخططات الهدامة لمروجي «الربيع العربي».

إن فكرة «الربيع العربي» كانت واحدة من أدوات الجيل الرابع من الحروب، والتي تقوم على إنهاك الدول ومحاولة إفشال مؤسساتها، دون حدوث أي مواجهة عسكرية. على أساس أن المواجهة أكثر خسارة للمعتدي، أما تجنيد مواطني الدول المستهدفة فهو أقل تكلفة وأكثر فعالية. وقد جاء في الكلمة الافتتاحية لسعادة الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، في وصفه لهذه الحرب بأنها: «أكثر تعقيداً من أي حرب ماضية، لأن الفاعلين فيها أطراف غير منظورة وتسعى إلى إثارة الفوضى وعدم الاستقرار»، وعلى هذا الأساس فإن تكتيكات المواجهة تحتاج إلى الاستعداد لها جيداً، بالأساليب المناسبة وليس التقليدية، وهذا أمر في غاية الأهمية، لأن وسائل الحروب الجديدة تتجدد مع مرور الأيام.

لهذا يمكن القول إن موضوع المؤتمر له دلالاته الاستراتيجية المهمة، خاصة في هذا الوقت الذي تواجه فيه الدولة الوطنية العربية تحدياً له علاقته بهذا النوع من الحروب، حيث تبرز تحديات داخلية متمثلة في تيارات إسلامية ذات «مطامع» سياسية وميليشيات ذات طابع عسكري، سواء في اليمن (الحوثيون) أو في الدول العربية عموماً مثل «داعش»، وهي مليشيات تتكاثر مع مرور الوقت. وفي المقابل هناك حالة من «الاختطاف» الفكري لقلة من المثقفين العرب تحت شعارات رنانة، وإن كانت الأغلبية منهم قد أدركت بأن ما يحدث ليس مطالب مجتمعية، ولم يأت بدافع الخوف على المصالح الوطنية، وإنما هي حرب من «حروب الجيل الرابع»، لهذا لم يتفاعلوا معها.

وبشكل عام، فإن العالم يعيش عصر زوال الحد الفاصل في الحرب بين العسكري الذي يفترض أنه هو المسؤول عن شن الحروب ضد الدول الأخرى، وبين الإنسان العادي الذي يتم استغلاله وتوظيفه سياسياً من الآخرين، سواء أكانوا دولاً إقليمية أم دولاً عظمى خارج الإقليم، أو جماعات تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان، أو تنظيمات تتحدى الدول الوطنية، مستغلة عدم إطلاع العالم الغربي على ما يحدث على أرض الواقع.

وللمستقبل، فإن هدوء الوضع السياسي العربي بعد موجة ما كان يسمى بـ«الربيع العربي» لا يعني أن الأمور كلها حسمت، لأن العقل التخريبي للبعض يبدو أنه مستمر، وهو يظهر أحياناً في «العالم الافتراضي» الذي بدأ ينتقل ليكون «عالماً واقعياً» من خلال بث رسائل تحريضية ضد المجتمعات الوطنية. والمثير في الموضوع أن هناك وعياً من الموطن العربي بمخططات هذه الجهات، وبالتالي يتم صد مشروعاتهم أو يتم تجاهل رسائلهم.

دولة الإمارات كان لها منهجها الخاص في مواجهة الجيل الرابع من الحروب، سواء عبر المواجهة المباشرة مع الذين يديرونها، أو من خلال رفع الحس الوطني لدى أبنائها عبر مشروع «الخدمة الوطنية» التي بدأت تكوِّن نموذجاً للدول الأخرى.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة