«أن تعرف أكثر»

«أن تعرف أكثر»

سمير عطا الله

يعجبني كثيًرا شعار «العربية»، «أن تعرف أكثر»، وما قيمة اليوم الذي يمضي من دون أن تعرف شيئًا إضافيًا؟ صحيح ألا جديد تحت الشمس، كما قال نابليون، لكن كل قديم تتعرف إليه، جديد. وفي نهاية المطاف، الإنسان إما كتلة من المعرفة أو كتلة من اللا معرفة.

وقد كتبت غير مرة أنني بعكس الآخرين، ضد تغيير «وزارة المعارف» إلى وزارة التربية، كما قرر بعض علمائنا الأجلاء؛ لأن المربي الأكبر للإنسان هو المعرفة. الأساتذة والبرامج والكتب لا يربونك، بل يقدمون لك المعارف، وهي التي تنقلك من الجهل إلى العلم.

والعلم بالتعلم، ولا وسيلة أخرى أو سبيلاً آخر. ويوم لا تتعلم، تعود يوًما إلى الوراء، وربما أكثر. وقد سمي الإنسان أسماء كثيرة، منها أنه حيوان ناطق. لكن ماذا عن الأخرس العالم؟ إن الإنسان هو الكائن الذي لا يكف عن طلب المعرفة.

ولذا هو المخلوق الوحيد المستقيم القامة، يعيش واقفًا لكي يرى إلى البعيد، ومتحرًكا لكي يرى ما حوله. والإنسان القديم كان يقول إن الآلهة هي التي تضيء النجوم في السماء، لكنه عندما عرف أكثر، أدرك أن الكواكب أفران نووية بعيدة تُرسل الأضواء حول الكون.

وكان الإنسان القديم يعتقد أن النجوم أجسام قريبة قد تسقط في الحقول أو البحار، ثم تبين له أنها تبعد آلاف ملايين الأميال، وأن ما يرى منها فوق قريته أو منزله ليس سوى كمشة صغيرة من أعدادها. إن الببغاء حيوان، أو طائر ناطق، وقد يغني أيضا، لكنه لا يطلب إطلاقًا أن يعرف أكثر مما يسمع.

وهو يقلد اللغات تقليدًا ساحًرا، ويعرف أصحاب البيت من أصواتهم، لكنه لا يكتب شطًرا من الشعر ولا يحل عملاً حسابيًا واحدًا مهما كان بسيًطا. لذلك، اختار الإنسان أن يعلم الآلة كي تساعده، فيما أن أقصى ما علمه للحيوان هو الرقص أو الوقوف على قدميه أو الانحناء.

وهذا لا يتطلب أكثر من قرداتي صبور وحاذق، لكن تلقين الآلة الذكية يتطلب آلاف العلماء والعباقرة الذين يتقدمون بنا خطوة كل يوم. وهم الذين جعلونا نحلق بسرعة ألف كيلومتر في الساعة إذا كانت الرحلة من باريس إلى نيويورك، أما إذا كانت وجهة سعادتكم للفضاء، فمن الممكن رفع السرعة إلى 17 ألف ميل في الساعة.

أي من باريس إلى نيويورك في بضع دقائق. مع عصر العربات ارتفعت سرعة الإنسان إلى 20 ميلاً في الساعة. ومع عصر البخار ارتفعت إلى مائة ميل. وحتى القرن التاسع عشر كانت وكالة «رويترز» لا تزال تستخدم الحمام الزاجل لنقل أسعار الأسهم بين المدن. ثم اخترع التلغراف، والآن يحمل الإنسان كومبيوتره في هاتفه.

كان الشاعر صلاح جاهين يكتب رباعيات عامية جميلة، ينهيها جميعًا بكلمة وحيدة: «عجبي!»

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com