لماذا يدعم الأميركيون ترامب؟

لماذا يدعم الأميركيون ترامب؟

موسى برهومة

التأييد الذي يحظى به المرشح الأميركي المحتمل للانتخابات الرئاسية دونالد ترامب لا يثير الشكوك في قدرة الناخب الأميركي ووعيه، بل هو جدير بإثارة الأسئلة حول المبررات التي يستند إليها الناخب الأميركي في التفافه على خطاب مرشح يوصف بأنه «عنصري، وذو نزعة استئصالية، ومعاد للأقليات والمهاجرين، ومناوئ للمسلمين، ويمتلك شعوراً متعاظماً تجاه ازدراء النساء».

ولعل أصداء الدعم الذي يلقاه ترامب تعدت النطاق الأميركي، فراح فلاديمير بوتين يصفه بأنه «رجل لامع وموهوب» وبالتالي فإنّ من المؤكد أن روسيا «سترحب به»، في حين مضى رجل أعمال خليجي، على ما ذكرت «فورين بوليسي» إلى اعتبار ترامب «صاحب شخصية مستقلة، وأنه يمكن أن يعيد للولايات المتحدة مكانتها كدولة عظمى، بالإضافة لامتلاكه الشجاعة والعزم».

وسواء حظي ترامب، في تموز (يوليو) المقبل، بترشيح الحزب الجمهوري لخوض سباق المنافسة حتى آخره، أو لم يحظ، فإنّه ظاهرة تستحق المعاينة والدرس في الولايات المتحدة، وخارجها. فهو استطاع بخطابه المتطرف أن يوقظ ما هجع في الروح الأميركية من نزعات ومخاوف، كما حرّك مياهاً ركدت طويلاً في ما خصّ العزلة الأميركية والانطواء على الذات القومية «الخالصة» الخالية من الشوائب «الملونة»؛ ما يعيد بمعنى من المعاني ذكريات التمييز العنصري والعرقي.

ومن بين ما يثيره الدعم الكبير لخطاب ترامب هو إرهاق الذات الأميركية من تبعات النزعة الإمبراطورية لدولتهم، لأنّ التوسع يجلب القلق على المصير، ويجعل التوابيت في كل حرب أو نزاع تتناسل من خزائن الطائرات الحربية، وأضحى العلم الأميركي الملفوف على عربة مدفع يثير السأم من حروب «عبثية» يخوضها الجنرالات. صار الأهم الانكفاء إلى الداخل، والإشراف بالوكالة على نزاعات العالم التي لا تنتهي.

أحبّ الأميركيون ترامب «الشعبوي» الذي يدلي بمواقفه المنكرة من دون تردّد أو تفكير، فيعود بعد حين يعتذر عنها وهو يضحك، فهو فعل ذلك حينما ألقى قنبلته «الفاشيّة» في وجه المسلمين، معلناً الحرب على 57 دولة مسلمة تضم ثلث سكان الأرض، ثم عاد وصوّب المسار، وتقبّله الجمهور وغفر له ما تقدّم من تصريحاته.

أحبّ الأميركيون في ترامب خفّته، فعندما فوّت ابناه إريك (32 سنة) وإيفانكا (34 سنة) الموعد النهائي للتسجيل في قوائم الجمهوريين للتصويت في الانتخابات التمهيدية في نيويورك المقررة في 19 نيسان (ابريل)، ردّ على ذلك بدعابة «لا مصروف لهما بعد الآن»!

وما يجعل الناخبين يتقبّلون ترامب، فوق ذلك كله، هو شعورهم باستقلاليته المالية، فهو يتملك إمبراطورية عابرة للقارات، لذلك ظل بسبب ملاءته المالية في منأى عن الاستقطاب والضغوط ومصالح القوى المهيمنة على سباق الانتخابات، وهذا ما وضعه في نظر الناخبين في دائرة النزاهة، ومنحه قوة وعنفواناً.

ومع أنّ ترامب يلقى معارضة نحو 25 في المئة من الجمهوريين، إلا أنه الأوفر حظاً في مواجهة المرشح الديموقراطي، فضلاً عن أنّ منافسه الجمهوري تيد كروز لا يتمتع بالكاريزما اللازمة لجعله يحسم السباق إلى البيت الأبيض في 8 تشرين الثاني (نوفمبر).

هذه «الخصال» التي كشفت عنها لقاءات ترامب ومواجهاته وتصريحاته الفظة جعلت الأميركيين يتمسكون به، لأنهم رأوا فيه نموذجاً مغايراً لمرشح الرئاسة، فهو لا يزن كلماته، ويتفوّه بعبارات شعبية، ويميل إلى الطيش أحياناً، وهذا كله مكوّن أساسي افتقده الأميركيون في الرؤساء السابقين المهذّبين، وتاقوا ربما إلى «رئيس» مشاكس يزيل الصدأ، ليس فقط عن «السياسة الخارجية الأميركية»، كما تعهد ترامب، بل عن الروح الأميركية أيضاً!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com