الفيصل والسياسات العربية

الفيصل والسياسات العربية
الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية

رضوان السيد

بين 24 و26 من أبريل المنصرم، أقام مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية بالرياض، احتفاليةً بالأمير الراحل سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية (1975-2014) افتتحها الملك سلمان بن عبد العزيز، وحضرها كبار رجالات الدولة في الخليج والعالم العربي، وأُلقيت فيها كلمات ومُحاضرات تناولت دور الأمير سعود في صياغة وتشكيل السياسة الخارجية للمملكة، وتأثيراتها في العالم العربي.

ما بدأ دور المملكة العربية السعودية في العالم العربي في الستينيات والسبعينيات، ففي منتصف أربعينيات القرن الماضي، أسهمت المملكة إلى جانب مصر بدور رئيسي في إقامة جامعة الدول العربية، وتنافست معها على الدور المحوري في الستينيات، واختلفتا على اليمن بعد ثورة الضباط هناك عام 1962، لكنْ بعد عام 1967 عاد التعاون والتضامن السعودي المصري، وعندما صار الأمير سعود وزيراً للخارجية عام 1975 كان المشهد قد تغير، فقد صارت المملكة هي الجهة العربية الرئيسية على أثر الحظر النفطي الذي فرضه الملك فيصل على الغرب، نُصرةً لمصر وسوريا في حرب 1973، ثم ما لبثت مصر أن اتجهت للتصالح مع إسرائيل (1977-1979)، ونشب النزاع على الزعامة بين سوريا والعراق في زمن «البعث»، وكان على المملكة أن تحمي المصالح العربية العليا، وأن تهدِّئ النزاع بين حافظ الأسد وصدام حسين، وأن تحمي العراق من نفسِه وهو يخوض حربين ضروسين: ضد إيران (1980-1988)، وضد الكويت (1990)، وبين هذا وذاك عملت الدبلوماسية السعودية على إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وعلى تطبيع العلاقات مع مصر، وعلى ترقُّب ما يمكن حصوله في فلسطين بعد أوسلو (1993). وظلّت المملكة تحاول استعادة العراق الواقع تحت الحصار، وتشجع الفلسطينيين على عدم الانقسام، ورجت بعد مؤتمر القمة بعمّان (1999) أن يعود المشهد العربي للاتّساق في قمة بيروت (2002). إنما عندما انعقدت القمة كانت محاولات لمِّ الشمل قد صارت بدون أساس، بسبب أحداث سبتمبر 2001. وعلى وقْع الحرب ضد الإرهاب، وغزو العراق (2003)، عاشت الدبلوماسية العربية عقداً من أسوأ عقودها.

اشتهر سعود بتعبيراته المقتضبة والدالة، فعندما قيل له إنّ التسوية في لبنان تتطلب أن لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم، أجاب: بل لابد من قتل ذئب الفتنة لكي تصبح التسوية ممكنة، وعندما حصلت أوسلو (1993) وقيل له إنها التسوية الوحيدة الممكنة، قال: لا تسوية إلا بالتوازن في الموقف، وكيف يتحقق توازُنٌ في الطرف العربي مع غياب مصر وحصار العراق؟! ولما حصلت قمة بيروت (2002) وطرحت المملكة المبادرة العربية للسلام، قال له أحد الصحفيين: هذه هي دبلوماسية المبادرة، فلاحَظَ: الأمر كذلك، لولا أن عرفات محاصر في رام الله، والولايات المتحدة تشن حربها العالمية على الإرهاب! وعندما طرح عمرو موسى في قمة سِرْت 2010 مسألة الحوار الاستراتيجي مع الجوار العربي (إيران وتركيا) قال سعود: الحوار الاستراتيجي مع الطرفين غير ممكن، في حالة «الخواء الاستراتيجي» التي تُعانيها الأمة العربية. وقلتُ له في مطلع 2013: ما العمل مع هذا الاضطراب العربي، فأجاب: الاضطراب تعبير مؤدب، إنه الخراب العربي، وإذا تغير الاتجاه الاستراتيجي لمصر فهي الكارثة التي لا مخرج منها. قلت له: أنتم دائماً غاضبون ومتشائمون، أَلَمْ تشهدوا لحظات فرح وتفاؤل يا سيدي؟ فتبسَّم وقال: بل هناك مناسبات وأوقات انفراج، منها نهاية الحرب العراقية الإيرانية دون أن يضيع العراق، لكنها فرحة لم تكتمل كما نعرف. ومنها وحدة اليمنين عام 1990، وهي أيضاً فرحةٌ لم تكتمل. ومنها اهتمامي الدائم بالحياة الفطرية، فالتعامل مع الغزلان أريح بكثير من التعامل مع الأقطاب. أما الفرحة الدائمة فهي قيام مجلس التعاون الخليجي ونجاح تجربته.

قال الأمير سعود الفيصل في إحدى المناسبات: «الدبلوماسية قوة ناعمة ومفيدة، لكن فوائدها تتآكل إذا كان الذين تُفاوضُهُم قد عرفوا بالتجربة أنه ليست لديك أظافر تستطيع وضْعَها على الطاولة عند الضرورة»، وها هي دول مجلس التعاون بزعامة السعودية تمارس دبلوماسية القوتين الناعمة والخشِنة لحفظ الذات، وصَون المصالح العربية العليا، والعمل الآن في دول التعاون، وعلى رأسها السعودية والإمارات، هو على التفكير في اليوم التالي!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com