جراديغ بغداد

جراديغ بغداد

خالد القشطيني

إذا كانت ليالي الأنس في القاهرة قد ارتبطت بالعوامات، فإن هذه الليالي ارتبطت في بغداد بالجراديغ. وهي اكشاك تقام بصورة مرتجلة وبدائية على شواطئ دجلة في موسم الصيف.

كانت تقام من اعمدة المردي والقصب وتغطى بالحصران وسعف النخيل. ليس فيها غير حجرة نوم وحوش مفتوح نحو الماء للجلوس. يضعون فيها أثاثا بسيطا قلما امتدت إليه أيدي العابثين أو السراق. اعتاد الفنانون والأدباء على إقامتها وقضاء سهراتهم فيها. كان منهم الدكتور فاضل الجلبي الذي كان موسيقيا يعزف آلة التشلو. ربطه ذلك ببعض أعضاء الفرقة السمفونية العراقية التي كانت أول فرقة سمفونية وطنية تتشكل في العالم العربي من عازفين محليين وتقدم حفلات كونسرت منتظمة في بغداد تحت قيادة الكوندكتر ساندو البو.

ارتبط فاضل الجلبي بعازف الكمان جميل لويس. كثيرا ما اجتمعا لأداء ثنائي بينهما. وعندما اقيم هذا الجرداغ، اعتادا على الالتقاء فيه مع بقية الموسيقيين للعزف وسماع الموسيقى. وبينما كان جميل لويس يعزف شيئا على كمنجته، دخل الجرداغ رجل محترم . سلم على الحاضرين ثم جلس ينتظر حتى فرغ العازف من عزفه. لم يكن الناس في تلك الأيام، يشكون ببعضهم البعض أو يتخوفون من احد. رحبوا بهذا الرجل الغريب. لكنه قال: الحقيقة ان الدكتور كان يسمع عزفكم وهزه ما سمع وهو يتذوق الموسيقى الغربية. وأرسلني لدعوتكم. لو تتفضلون بزيارته في جرداغه حيث سيرحب بكم ويستمع لعزفكم. سألوه من هو هذا الدكتور الذي تتكلم عنه؟ قال جاركم الدكتور محمد فاضل الجمالي. وهو يرجو أن تزوروه ليستمع لكم. كان الجمالي عندئذ رئيسا للوزراء. ولكن فاضل الجلبي لم يكن يعرف قط ان الجرداغ المجاور كان يخص رئيس الحكومة.

ولكن ما أن سمع ذلك جميل لويس، وكان من اليساريين العراقيين، حتى بادر الى وضع كمنجته في صندوقها وهم بالانصراف لبيته. ولكنه قبل ان يذهب التفت الى سكرتير رئيس الوزراء وقال له: «وشنو يعني فاضل الجمالي؟ احنا فنانين أحرار. نعزف ما نعزف لأنفسنا. آني ما اروح اعزف لكل من يجي».

اسقط بيد السكرتير ولم يعرف بماذا يجيب. ولكنه اعتذر واسترخص بالانصراف. قال لجميل لويس: «لا أخي لا. ما تروح للبيت. لا تزعل. أنا آسف أجيتكم». انصرف الرجل في حال سبيله. عندئذ التفت الحاضرون الى الموسيقار جميل وقالوا له: ولك إش سويت؟ هذا رئيس الوزراء. تريد تجيب بلوى لنفسك؟ تتكلم هالشكل؟». ولكنه لم يرتبك أو يرتعد. قال وشنو يعني رئيس الوزراء؟ هو بمنصبه وآني بشغلي. ما لي علاقة به. تريدوني اعزف لعملاء الاستعمار؟

جلس الحاضرون ينتظرون عودة السكرتير ثانية ليؤنبهم ويتخذ ما يلزم لتأديبهم. ولكن أي طارش من الدكتور لم يحضر. تقبل التحدي، بل والإهانة، بكل رحابة صدر. ومرت الليلة بسلام وكل ليلة من بعدها. هم في جرداغهم يعزفون الموسيقى والدكتور الجمالي في جرداغه، يقرأ الجرائد.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com