”تعب المعادن“ وكلل الكتابة العربيّة

”تعب المعادن“ وكلل الكتابة العربيّة

حسام عيتاني

كان محمد حسنين هيكل يُكثر في كتاباته ومقابلاته، من استخدام تعبير «تعب المعادن» للإشارة الى انهيار مفاجئ أو سقوط غير متوقع لشخص أو ظاهرة.

في مقابلته مع قناة «الجزيرة» في 24 تموز (يوليو) 2007، والتي تحمل عنوان «هيكل… السد العالي والمشروع القومي»، يقدم الكاتب الراحل تعريفه لتعب المعادن فيقول: «تعب المعادن المشهور جداً في الطائرات وفي العربات وفي كل حاجة، أن المعادن ممكن تبقى فيها نقط ضعيفة وممكن تتأثر (في) جوهرها أو صلبها يتأثر عند بعض اللحظات وأنها ممكن تتكسر».

والحال أن تعريفاً كهذا كان سيؤدي الى حصول صاحبه على علامة الرسوب أو الصفر لو قدمه في امتحان «مقاومة المواد» في أي كلية للهندسة. التعريف الأصح هو أن تعب المعادن ينجم عن تناوب بين الضغط المرتفع والعودة الى حالة الضغط السابقة على صفيحة أو جسم معدنيين أو من تركيبة ذرية معينة كالألياف الزجاجية التي تصاب بالحالة ذاتها. هذا التناوب يؤدي الى تغيّر التركيبة ثم الى تفكك الصفيحة من دون أن تكون هناك أي شوائب أو نقاط ضعيفة أو ما شابه، خلافاً لما قال هيكل.

لمعترض أن يقول أن الصحافي المصري لم يكن مهندساً، وأن الكلام لم يكن في سياق تقني – علمي، وأن استخدامه للتشبيه كان «تصويرياً» ويرمي الى إيضاح فكرة من طبيعة مغايرة للمسائل الهندسية. بيد أن التعليل هذا أفدح من المأخذ السابق. ذلك أن التعليل الذي يبرئ مستخدم المثال العلمي لشرح فكرة في التاريخ أو السياسة، على سبيل المثل، يفتح أبواباً للنقد ربما لم تخطر في بال ضارب الأمثال ولا المنافح عنه، منها: أين هي الحدود الفاصلة بين لجوء المتحدث الى المقولات العلمية لتوضيح فكرة أو إيصالها الى القارئ أو المستمع، وبين سلامة هذه المقولات منهجياً وعلمياً؟ أو، كيف يمكن أن يكون المثل التوضيحي خاطئاً الى هذا الحد والفكرة التي يسعى الى شرحها، سليمة وكيف يجوز أخذ ما يذهب إليه المتكلم على محمل الجد إذا انطلق من تفسير زائف لظاهرة علمية؟

تشبه هذه المسألة ما تناوله الكاتبان الأميركي آلان سوكال والبلجيكي جان بريكمونت، في كتابهما «ترهات فكرية» (عرضه أحمد بيضون في مقالتين في «القدس العربي» في 12 و19 شباط – فبراير الماضي). ومقابل تعقيد الاستعارات التي لجأ إليها كتاب فرنسيون وأوروبيون ممن نُصِّبوا علامات في عالم الفكر والثقافة، والتي تبيّن أنها خاطئة وتنطوي على ادعاء وتذاكٍ في غير موضعهما حتى من أشخاص مكرسين في حقولهم، مثل جان بودريار وجاك دريدا، فإن ما نصادفه في الحيز العربي أبسط بكثير وأخطر في خرقه الفاضح لمقولات وقوانين ومعارف علمية. المشكلة التي نواجهها في الكتابات العربية، ليست سوء تفسير معادلات أو قوانين رياضية أو الاعتماد المفرط على نسبية معرفية، بل التجاهل الصريح لأبسط مقدمات المعرفة ومحدداتها، ومنها السببية وارتباط المقدمات بالنتائج.

لا يهمنا هنا، قليلاً أو كثيراً، النقاش في صدقية هيكل أو مستوى فهمه وغيره من الكتاب والصحافيين العرب للعلوم التطبيقية، فقد سال حبر كثير في تناول الرجل ومسيرته المهنية منذ وفاته. ما يعنينا هو الرابط بين الإنتاج الثقافي (والكتابة الصحافية جزء منه) والواقع الذي يتحدد معرفياً من خلال العلم والتجربة. وهذا ليس ترفاً في زمننا الراهن الذي تتكشف سماته ومكوناته تكشفاً صاعقاً ومفاجئاً حتى لمن اعتقد أنه مُلم بألف باء الاجتماع والسياسة والثقافة.

يمكن الحديث عن تشويه الاعتماد على الموقع السلطوي في الوصول الى الاستنتاجات. الركون الى كاريزما الزعيم والنطق باسمه والاختباء وراء جدران السلطة وقبضاتها الحديدية، غالباً ما تحول دون المساءلة الصريحة للأقوال التي يراد الارتقاء بها الى مستوى الحقائق والبداهات. فحسن نصر الله يعلن أن حزبه أرسل مقــاتلين الى البوسنة في التسعينات «للــدفاع عن أهل السنة»، لكنه يمــتنع عن توضيح كيف يستقيم الدفــاع عن سـنّة البوسنة مع إماتة السنّة في مضايا والزبداني جوعاً بفعل حصار مقاتـليه ذاتــهم، هذا إذا قبلنا اعتبار «السنّة» جماعة عرقــية متجانسة علـى ما يُفهم من كلام نصر الله. وفيما يتساءل عن معنى قبول الــسنّة بالتخلي عن فلــسطين، فإنه يتجنب الإشارة الى أن مسلّحيه طردوا السكان السنّة وهجروهم في القصير ويبرود، مثلما هجِر الفلسطينيون في 1948.

ومن جهة ثانية، يدعو أحمد العرفج في مقال له في موقع «عين اليوم» (5 آذار – مارس الجاري)، وهو واحد من عشرات المقالات المشابهة في الصحافة الخليجية، الى ترحيل كل اللبنانيين من دول الخليج بعدما يصفهم بأشنع الصفات، لكنه لا يكلف نفسه عناء السؤال عن السبب الذي جعل مئات الآلاف من اللبنانيين يقيمون ويعملون في الخليج وبإذن وموافقة وطلب أية جهات؟ ربما يكون الجواب أن الظروف تغيرت منذ الستينات وأن الأوضاع لم تعد ذاتها. غير أن هذا الجواب يستدعي أسئلة مقابلة: لماذا تغيرت الظروف ومن الذي غيّرها وكيف تغيرت في هذا الاتجاه وليس في اتجاه آخر؟

في الكتابات العربية، نرى الى جانب الاستعارات غير الموفّقة من العلوم الحديثة على النحو الذي شرحه سوكال وبريكومنت، انقطاعاً في التسلسل المنطقي بين الأسباب والنتائج والقفز السريع فوق التباينات والعوامل المميزة والسياقات والمعطيات، وفي هذا إعلان صريح ليس عن افتقار الى القدرة على صياغة رواية منطقية للأحداث والخروج منها بخلاصات معرفية فحسب، بل هو استبطان لعداء مع الواقع ومع ضرورة التعرف الى الذات ونقدها ومساءلتها قبل شن الهجمات على الآخرين. وهذا أول المعرفة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com