مواجهة الاستضعاف ومواجهة الاستنزاف

مواجهة الاستضعاف ومواجهة الاستنزاف

المصدر: رضوان السيد

المقصود بخطابات حسن نصر الله الأخيرة : تبرير المواجهة للمملكة العربية السعودية بأنّ السعودية هي التي بادرت إلى ذلك!؛ هذا أولا.. والأمر الآخر: الاستمرار في تحشيد شبان الشيعة، لمتابعة إرسالهم للقتال في سوريا واليمن بالحجة نفسها: أنّ المملكة هي التي فرضت المواجهة، وأنهم في خطرٍ شديدٍ إن لم يبادروا لردّ الصاع صاعين بقيادة نصر الله بالطبع وقائده الخامنئي.

وإن لم يقتنعوا ويرسلوا أولادَهم إليه فقد أعدَّ لهم هذه المرة حجةً جديدة، فهو لا يأتمر بأمر الخامنئي، بل القرار قراره هو، وهو يستأذنه فقط (!).

وهذه المرة بالذات، أي التدخل في سوريا واليمن، ومكافحة الحكومات في الخليج، فهو يتبع (فجأةً) فتوى السيد السيستاني الذي أصدر فتوى (خريف العام 2014) بالجهاد الدفاعي أو الكفائي! والطريف والمفارق أنّ الفتوى المذكورة صدرت بعد استيلاء داعش على الأنبار ونينوى والمحافظات الأخرى، ووصولها إلى مشارف بغداد، بينما دخل ”حزب الله“ إلى سوريا العام 2012، وأعلن عن وجوده هناك (لصَون مزارات آل البيت، ومقاتلة التكفيريين قبل أن يهجموا على الشيعة بلبنان!) مطلع العام 2013.

وللمفارقة أيضاً إنه يقول ذلك كلّه في مواجهة ”داعش“، وعندما تدخّل في سوريا لم تكن ”داعش“ موجودة لا في سوريا ولا في العراق، لكنه مضى مع هذا النزوع الخيالي للتحشيد، ولكي يُدخل الشيعة الآخرين في حربه الخاصة، انطلق فجأةً وللمرة الأولى -أيضاً- للحديث عن قداسة «الحشد الشعبي»، وإنه لم يحمِ العراق فقط، بل حمى أُمراء السعودية والخليج الذين كان يمكن لداعش أن يجتاحهم في ديارهم لولا همة الحشد الشعبي ومروءته!

وأنا أُلخِّصُ هنا وبلغةٍ شبه محايدة ومؤدَّبة، ما قاله الأمين العام للحزب بلغةٍ أو لُغاتٍ أخرى، ولنمضِ قُدُمًا في خطابات الاستضعاف والاستنزاف والتحشيد هذه.

إذا كان السيد يريد الإثارة والتحشيد وتبرير العدوان، بل العدوانات، فما الحاجة إلى اللغة المثيرة هذه بقصد الإهانة والإيلام؟! هل تعظُمُ «جرائم» الخليجيين في عيون أتباع نصر الله إذا اتّبع لغة القذف والشتم؟ هكذا حاول بعض المختصين بعلم نفس اللغة أن يقنعوني، بينما قال آخرون، إنّ المقصود بالشتم التهوين من شأن الخليجيين، لكي تسهُلَ على الميليشيات المقاتلة، إذ سيتصاعد لديهم الأمل بالانتصار، ما دام أعداؤهم بهذا الضعف (!).

بيد أن هناك جوانب في خطابات السيد لا يمكن فهمها لا بهذا الأسلوب ولا بذاك، فقد زعم في خطابٍ شهير له بأنّ السنّة وحكامهم يقتربون من إسرائيل، بينما يفعل رجال الخامنئي خلاف ذلك! لكنه في خطابٍ أخير، بمناسبة مقتل أحد قادة الحزب في سوريا، نقض كلامه السابق، وقال، إنه أُسيءَ فهمُهُ، فهو لا يستهدف كل السنة! أتدري من هم السنة؟ هم مليار وخمسمائة مليون إنسان ولن تؤثر فيهم لا مدحًا ولا ذَمًّا.

فعندما غزت ميليشياته بيروت العام 2008 ما وجد معه غير اثنين أو ثلاثة سمّاهم السنة الشرفاء، والشرفاء اليوم في نظره بعد الاغتيالات والقتل والتهجير هم اتحاد الشغل في تونس (وعلمي أنهم شيوعيون ويساريون وقوميون ولا يعدون أنفسهم سنةً ولا مسلمين!).

ولماذا تريد من العربي مسلماً أكان أم مسيحياً أن يسير معك من وراء الحشد الشعبي، والحوثي وعفّاش والأسد، ما دمتَ تقول، إن المقتلة التي تقوم بها في سوريا واليمن وأمكنة أخرى أهمّ وأعظم من فلسطين وقضيتها؟! ولا ندري هنا لماذا وكيف يقبل «شرفاء» تونس أن يكونَ قتل الشعب السوري واليمني أهمّ من النضال من أجل فلسطين!.

ومرةً ثانيةً وثالثة: لماذا هذه اللغة التكفيرية السوداء، التي تُرغم العربي السني المتدين وغير المتدين على الثوران، وإن أقبل «شرفاء» الأجهزة الأمنية على القبض على كل من يتنفّس من أهل السنة بحجة أنهم متطرفون؟!.

ما عاد نصر الله وسائر العاملين عنده في هذا الإعلام الأصفر يملكون غير هذه اللغة، لأنها لغتهم الأصلية، أما اللغات الأخرى القومية والشعبوية والإسلامية العامة فقد كانت عارضة، وما عادت هناك حاجةٌ إليها بعد احتلال بيروت، وبعد قتل السوريين والعراقيين واليمنيين وتهجيرهم.

إنّ غيظ نصر الله من السعوديين والخليجيين الآخرين وغضبه عليهم، سبَبهُ أنهم واجهوه وواجهوا أسياده، دفاعاً عن أنفسهم وعن اللبنانيين، وعن سائر العرب. هو يقول: حِلُّوا عنا! كيف نحلُّ عنك نحن العرب الذين تخرّب بلدانهم، وتهجّر شعوبهم، بل وتكفّرهم قبل ذلك وبعده؟! ألم تقرأ قوله تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتُقسطوا إليهم، إنّ الله يحبُّ المقسطين»؟ كنا نقول ونعمل باعتبار أنّ مشكلتنا مع الإسرائيليين الذين يُخرجوننا من ديارنا، وها أنت تفعل أمرين وليس أمراً واحداً: الاستهداف في الدين، والإخراج من الديار!.

يقود الإخوةُ في الخليج إذن حملةً سياسيةً وعسكريةً للدفاع، ويكونُ علينا نحن في لبنان، وبقدر الوُسع والطاقة والإمكان، أن ننضمَّ إليها، كنا نشكو أننا لا نستطيع مواجهة الحزب لأننا وحدنا، والآن ما عُدْنا وحدنا، والتخلّي عن الكفاح بعد أن ظهرت شروطه وفرائضه فيه تضييعٌ للوطن والدولة، وللكرامة والحياة أخيراً.

إنّ حفظ الوطن والجماعة والدولة يقتضي منا التصدي لخطابَي نصر الله في الاستضعاف، وفي الاستنزاف، فالاستضعافُ بعد غزو بيروت وحمص وحلب هو الذي يجرّئه على الحديث عن تآمر السنة على الإسلام، وتآمُرهم على فلسطين، ومن دون العرب والعروبة والعربية لا دينَ ولا دنيا.

وقد صار ذاك الفريق خارج كل هذه الاعتبارات، ولذلك يواجهنا بعد الاستضعاف بالاستنزاف. ما عاد من الممكن الإيهام أو التوهم أنّ التسوية التفاوضية ممكنةٌ مع هؤلاء. ولا عاد من الممكن المناشدة بالدستور وبالدولة وبالعيش المشترك، والدين الواحد، والوطن الواحد.

لماذا جئنا في لبنان إلى هذه الحكومة التوافقية قبل عامين ونيف؟ جئنا لثلاثة اعتبارات: محاولة حماية الآلاف من شباننا من استهدافات الأجهزة. وللتفاوض على إخراج ميليشيات الحزب من مدننا وبلداتنا. ولإمكان التوافق من خلال الحكومة والحوار الثنائي على انتخاب رئيس للجمهورية.

وما تحقق شيءٌ مما أمّلْناه وتفاوضنا وصبرنا عليه، بل حدث العكس في المسائل الثلاث. وتفاقم الاستضعاف والاستنزاف. العرب الخليجيون ينتهجون سياساتٍ جديدة لأن السابقة لم تنفع. ويكون علينا أن ننتهج أيضًا سياسات جديدة تكون أجدى في حفظ الوطن والدولة والناس. فالذي يخاف من الموت، يموتُ من الخوف. ويا للعرب!.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com