المغرب.. وأسئلة مصيرية أمام القمة العربية

المغرب.. وأسئلة مصيرية أمام القمة العربية

عبد الوهاب بدرخان

جاء قرار المغرب بشأن القمة العربية صادماً وقاسياً، لأنه واقعي وشفّاف، ولأنه طرح السؤال: قمة من أجل ماذا؟ إذ لم يكن الاعتذار عن عدم استضافة القمة الـ27، أو بالأحرى رفض انعقادها في مراكش، موقفاً سلبياً مغلقاً، بل قدّم في بضعة سطور تقويماً جريئاً لمجمل الوضع العربي، وسأل الأسئلة الصحيحة بلا مزايدة أو مكابرة أو تحديات. هذا لن يثني الجامعة العربية عن البحث في عقد القمة في دولة المقر – مصر برئاسة موريتانيا، لتكون قمة أخرى، ولتحافظ على دورية القمم، لكن من دون الخروج عن الإطار البروتوكولي الذي تتسم به هذه اللقاءات لا تدخل في عمق الملفات المطروحة أو الخلافات القائمة، بل الصراعات العربية – العربية المشتعلة، حتى غدا «الإجماع» العربي نموذجاً أسطورياً للبحث عن صياغات لفظية بلا مغزى والقرارات المقتولة منذ لحظة تسطيرها حبراً على ورق.

في السابق كانت تتردد عبارة «الإعداد الجيّد» للقمة، ولدى الانكباب على العمل كان يظهر البون الشاسع بين النيات السياسية الحسنة والإرادات السياسية الضعيفة والمشوّشة، لكن، مع تكاثر الأزمات وتعاظم صعوباتها وتعقيداتها، خصوصاً في الأعوام الخمسة الأخيرة، صار كل الأمل/ الهدف في الحفاظ على ما تبقّى من مظاهر التضامن: التئام الشمل في قاعة واحدة وتحت سقف واحد، خطب إنشائية معقّمة، وحتى جلسات مغلقة تسودها روح المجاملة وقلّ ما يميّزها عمق النقاش أو السعي إلى قرارات عملية ملزمة، وبعد كل تكرار لهذه التجربة كان يقال إن «إصلاح الجامعة» صار لازماً وضرورياً بل حتمياً، لكن الجامعة جهاز يعكس حال العلاقات العربية، ولا تتأتّى له فرص الإصلاح والفاعلية إلا بإرادة الدول الأعضاء. رغم ذلك، ومع تفهّم صعوبة الإصلاح، لم يكن هناك ما يمنع الجامعة من تنظيم حوارات ونقاشات (غير ملزمة) بين مسؤولين وخبراء، لكنها تساعد في تشخيص المصلحة العربية، وتشكّل نواة قرارات ومبادرات قابلة للالتزام على مستوى القمة.

كان بإمكان المغرب أن يلعب اللعبة من دون أن يلومه أحد، فيستقبل الملوك والرؤساء ويودّعهم في قمة أخرى لالتقاط الصور وإلقاء الخطب، لكن هول الواقع يستلزم ما هو أكثر. لا شك أن العاهل المغربي وجد في الاكتفاء بالطقوس البروتوكولية إخلالاً بحسّ المسؤولية الذي يفترضه العالم المنشغل حالياً بأزمات العرب، ويحق للمواطنين العرب توقّعه من قادتهم إذ يلتقون معاً، لذلك لم يتصوّر الملك محمد السادس نفسه مستضيفاً ومشاركاً ومباركاً لتظاهرة مهمة كهذه وهو غير مقتنع بجدواها، حتى مع رغبته الأكيدة في أن يحلّ أشقاؤه العرب في ربوع المغرب.

شرحت الخارجية المغربية أسباب الاعتذار عن عدم استضافة القمة، وهي تستوجب التوقف والتمعّن، إذ لا «قرارات مهمة» ولا «مبادرات ملموسة» يمكن عرضها على القادة العرب، وبالتالي فإن القمة ستكون مجرد مناسبة للمصادقة على «توصيات عادية» وإلقاء خطب تعطي «الانطباع الخاطئ بالوحدة والتضامن» بين الدول العربية، واعتبر بيان الوزارة أنه لا يمكن فيها القادة الاكتفاء مرة أخرى بـ«مجرد القيام بالتشخيص المرير لواقع الانقسامات والخلافات الذي يعيشه العالم العربي من دون تقديم الإجابات الجماعية الحاسمة والحازمة لمواجهة هذا الوضع، سواء في العراق أو اليمن أو سوريا، التي تزداد أزماتها تعقيداً بسبب كثرة المناورات والأجندات الإقليمية والدولية»… هذا نقد رسمي – رسمي نادر، لكن لا بدّ منه، لمجريات العمل/ اللاعمل العربي المشترك، ومن الواضح أنه ليس ضد القمة مبدئياً لكنه ضدّها شكلاً ومضموناً في سياقاتها الروتينية التقليدية فيما يتطلب الواجب التاريخي الذي تنعقد في سياقه أفعالاً لا أقوالاً.

بديهي أن المغرب لا يمانع انعقاد القمة في أي مكان آخر، بغضّ النظر عن شكل مشاركته فيه، لكن منطقه وموقفه رسما حولها علامات استفهام كثيرة، وإذ تتولّى الجامعة تنظيمها في المكان البديل فإنها ستجد صعوبة في جعلها تتخطّى تقليديتها، فعدا أن الأزمات الرئيسية تشهد تطورات لا دور للعرب فيها، هناك ثلاث قضايا استراتيجية تتطلب سياسة عربية واضحة ومحددة: أولاً، المواجهة الجماعية للإرهاب. ثانياً، الموقف من إيران وتدخلاتها. ثالثاً، المتغيّرات الاستراتيجية الناجمة عن بروز روسيا كقوة تدخّل متحالفة مع إيران على حساب الولايات المتحدة المنسحبة والمتصالحة مع إيران، فهل «التحالف العربي» في اليمن نواة استجابة لهذه التحديات، وهل «التحالف العربي الإسلامي ضد الإرهاب» بديل عن «القوة العربية المشتركة»، وهل تجاهل خطر إيران أو التعامل المنفرد معها يقللان من عدوانيتها؟ أسئلة مصيرية لن تجيب عنها القمة العربية المقبلة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة