ضياع (أبو العبد)

ضياع (أبو العبد)

سمير عطا الله

من انعكاسات حالة الأسى التي تخيم على المنطقة هذا الجفاف الذي لحق بـ«أبو العبد»٬ الشخصية البيروتية الخيالية التي تلحق بها النكات والطرف. بنيت شخصية «أبو العبد» على القبضاي البيروتي الذي كان يتزعم في الأحياء والحارات٬ ويتحدث بلهجة خاصة٬ يمّط فيها الكلام٬ ويضخم الأحرف والعُرب٬ ويشد جميع أحباله الصوتية٬ تمييًزا له عن سائر الناس.

وقد تم التعويض عن الغياب الإلزامي لـ«أبو العبد» بصدور كتاب لعبد الرحمن محمد السماك بعنوان «قبضايات بيروت: أهل الشهامة والمروءة والنخوة»٬ يرسم صورة القبضاي وتاريخ ظهوره وظاهرته من 1600 إلى 1946.

ويحدد المؤلف العائلات المؤسسة لبيروت القديمة بسبع٬ هي: آل كريدية٬ آل عيتاني٬ آل دوغان٬ آل حوري٬ آل الداعوق٬ آل سنو٬ آل منيمنة. جميعهم٬ على ما نعرف٬ يتحدثون بلهجة «أبو العبد».

وجميعهم من جذور غير لبنانية: أيوبيون٬ وحلبيون٬ ومماليك. وأما آل سنو وآل منيمنة٬ فمن سلالة طارق بن زياد. وبعد حملة نابليون على مصر لجأ الكثيرون من أهلها إلى بيروت٬ فتوسعت وتضاعف عدد سكانها. وخلاصة الأمر أن معظم عائلات المدينة القديمة من أصول تركية وشامية ومصرية ومغربية.

و«القبضاي» كلمة تركية تعني شيخ الشباب٬ الشجاع الذي يناصر الضعيف.. «ويمتاز القبضاي بمظهره الخارجي٬ فمهما كان فقيًرا٬ فهو حريص على مظهره ولباسه. يرتدي أحسن القماش للقنابيز (الدشداشة) الصيفية من الحرير٬ أما في الشتاء فيكون القنباز من الجوخ البني المحروق والسروال من الجوخ مع سترة من الجوخ الكحلي٬ ويشترط أن تكون قبّتها من المخمل الأسود.

وكان بعضهم يحرص على حمل العصا وانتعال حذاء من جلد لماع». ويضم المؤلف إلى فرسان القبضايات الرئيسين صائب سلام ورياض الصلح. الأول متحدّر من عائلة مغربية وصلت إلى بيروت عام ٬1860 والثاني من عائلة أيوبية.

ولا غرابة إذن في أن الذي وضع مقدمة الكتاب هو الرئيس تمام سلام٬ تشجيعًا لمحبي تراث المدينة التي فقدت الكثير من معالمها المميزة وطابعها القديم مع توسعها وتمددها حتى صار لبنان كله يبدو وكأنه مدينة واحدة.

لم تعد هذه بيروت التي كنت أقطع معظم شوارعها مشيًا.. بيوتها قليلة على الجانبين٬ وحدائق منازلها كثيرة٬ وهدوؤها نبيل. ولا هي بيروت «أبو العبد» الذي ضاع في زحمة السير التي أخرت كل شيء٬ بما في ذلك وصول رئيس إلى قصر بعبدا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة