في ما كشفته محاكمة البحيري

في ما كشفته محاكمة البحيري

حسام عيتاني

انتهى العام نهاية بائسة بتأكيد الحكم بسجن الباحث المصري إسلام البحيري سنة بعد إدانته بازدراء الأديان، في قضية بدأت قبل أشهر.

يقول الحكم على البحيري، عن أحوال مصر والقضاء فيها ومآلات السياسة والثقافة في البلد العربي الأكبر، أكثر بكثير مما يقول عن الباحث الذي لم يأت بجديد في المجالات التي أثار الجدال حولها، واقتصرت أهميته على نقل ما هو معروف ومتداول في كتب الفقه والحديث والتاريخ الإسلامي، من دوائر المتخصصين والدارسين إلى الميديا الجماهيرية الواسعة.

النقاط التي تناولها البحيري، من رفضه لجزء وازن من الأحاديث النبوية وتشكيكه في صحتها وانتقاده لعدد من أئمة المذاهب والمحدثين، أُشبعت بحثاً ودرساً على امتداد مئات الأعوام من القراءات المتباينة، بعضها هامشي وبعضها نجح في الوصول إلى متن الفقه «الرسمي» للأحاديث ونصوص السيرة النبوية والأحداث التأسيسية للإسلام.

مأساة البحيري وشهرته، تنتميان في آن واحد، إلى نظرته إلى الإسلام نظرة مجتزأة تتشارك مع إسلام «المؤسسة» الرسمية في إهمال أن الدين مرّ على مدى خمسة عشر قرناً بعمليات تبيئة، حيث أثّر في المجتمعات المسلمة تماماً كما أثرت هذه فيه. ولا يحتاج المرء إلى ذكاء باهر ليلاحظ أن الإسلام في أندونيسيا وماليزيا مثلاً، يحتفظ بالأسس الكبرى للدين، في حين أن ممارسته المجتمعية تختلف من بلد إلى بلد. وهذا ما يقره الفقهاء قبل غيرهم.

نقاشات البحيري تنتمي إلى مدرسة نصوصية كانت لها صولات وجولات في التراث الإسلامي وسُميت بأسماء شتى في مراحل مختلفة. يمكن الحديث هنا عمن يعرفون بـ «أهل القرآن» الذين واجهوا «أهل الحديث» في العصر العباسي. وتجوز الإشارة إلى المعتزلة، المدرسة الكلامية الشهيرة التي رأى الإمام أحمد بن حنبل في مريديها «أهل بدع» في عبارته الشهيرة «قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز» أثناء الصراع بين الاتجاه الحنبلي والاتجاه المعتزلي على الاستحواذ على تأييد الشارع من خلال استعراض تأييد المؤمنين المتجلي في الجنائز، «التظاهرات المليونية» في ذلك الزمن.

المشكلة التي أثارها البحيري تقوم أساساً على التذكير بما تم تجاوزه منذ زمن بعيد وطواه النسيان ولم يعد يذكره إلا أمراء «داعش» الهمج وبعض دعاة القنوات الفضائية الذين انحطوا بالفتوى والفقه والتاريخ الإسلامي إلى مستوى «تجارة الشنطة». لكن البحيري أصر على أن ما ينقده هو صلب الإسلام، وفي ذلك خطأ منهجي عميق، ذلك أن الإسلام تعدد وتنوع، كما سلفت الإشارة، منذ تدوين الأحاديث التي تثير استياء باحثنا المُصرّ على نبش ما استُبعد عملياً من الإسلام من دون أن تعلن المؤسسة ذلك إعلاناً رسمياً. ولعل هذه هي النقطة الأهم في مواقف البحيري، أي حثّ الأزهر وغيره من المؤسسات على التصريح باستبعاد الجوانب التي لم تعد مقبولة حتى في المجتمعات الإسلامية المعاصرة بما يقطع طريق الاستغلال على متطرفي «داعش» ومن لف لفهم.

بيد أن هذا الخطأ المنهجي (الذي لم يفلح الشيخان أسامة السيد الأزهري والحبيب الجفري في تفنيده، رغم زعمهما تبني الصواب الديني والفكري في مناظرات تلفزيونية سقيمة)، لا يستحق قطعاً أن يُعرض أمام المحاكم ولا أن يلقي بمرتكبه في السجن. لذلك وجب نقل الحديث مما قاله واستخلصه إسلام البحيري الى ما فعله القضاء وما يعكسه هذا الفعل من أحوال مصر… وأهوالها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com