2016.. شدوا الأحزمة!

2016.. شدوا الأحزمة!

عثمان ميرغني

إذا كان «ربيع» العرب أزمات وفوضى منذ خمس سنوات، فعلينا توقع المزيد في 2016 الذي ينذر بأن يكون عامًا آخر من العواصف، بل من الأعاصير. الربيع العربي الذي نجتر ذكراه خلال هذه الأيام، لم يخلف شيئًا يستحق الاحتفاء بالذكرى.. نسمة خادعة مرت سريعًا، أعقبتها رياح حارة تأبى أن تنحسر. أزمات، اختناقات، حروب وفوضى لا يبدو أنها ستنتهي قريبًا. لكثرة الأزمات يصعب على المرء أن يتخيل أصلاً أنه مرت خمس سنوات على ما توهمناه ربيعًا، فقد كانت كلها لهاثًا وراء الأزمات التي تلاحقت، والحروب التي اندلعت، والفوضى التي عمت بتداعياتها وآثارها المنطقة كلها.

هل كانت هذه هي «الفوضى الخلاقة» التي أنذرونا بها؟ أم أن العرب أدمنوا الحروب والأزمات فباتت صناعتهم الخالصة، وسمة ملازمة لتاريخ التحولات السياسية في المنطقة منذ منتصف القرن الماضي، وربما قبل ذلك؟

يحلو للناس أن يتحدثوا عن المؤامرات والمخططات الخارجية؛ عن سايكس بيكو الجديد، للتقسيم وإعادة رسم الحدود، أو بالأحرى إعادة خلطها كوصفة لمزيد من الأزمات، وحالة عدم الاستقرار. لكن الإغراق في مثل هذه الأحاديث يبعدنا عن التحليل الذي يحملنا أيضًا قسطنا من المسؤولية عن الأحوال التي آلت إليها أوضاع المنطقة. بالتأكيد، لا يمكن لعاقل أن يستبعد تأثير التدخلات الخارجية، أو المخططات الأجنبية، لكن العرب بخلافاتهم البينية، ومشكلاتهم الداخلية، وفشلهم في تحقيق معادلة الاستقرار السياسي، مسؤولون عن الكثير مما يصيبهم ويلحق بهم، لأنهم يتركون أبوابهم مشرعة أمام كل من يريد أن يعبث بهم.

إذا كان الكتاب يعرف من عنوانه، فإن 2016 سيكون عامًا آخر قاسيًا على العرب. حرب الإرهاب، وسوريا والعراق وليبيا واليمن ستكون أبرز الملفات المرحّلة إلى العام الجديد، لكنها لن تكون الأزمات الوحيدة؛ فهناك هزات أخرى متوقعة في عدد من الدول، وهناك تغييرات سياسية تنتظر من لبنان إلى السودان، ومن الجزائر إلى سلطنة عمان. انهيار أسعار النفط سيكون عنصرًا آخر طاغيًا على مسار أحداث العام، فالانعكاسات ليست على دول الخليج وحدها، بل على المنطقة كلها، نظرًا للدور الذي تلعبه الدول الخليجية والدعم الذي كانت تقدمه بشكل مباشر أو غير مباشر لعدد من الدول.

في حرب الإرهاب قد يتقهقر «داعش» في سوريا والعراق، لكن يصعب القول إنه سيندحر، ويبقى السؤال إلى أين سيتجه من هناك إذا أجبر على الخروج بعد أن اشتدت عليه الضربات؟ تقديري أن ليبيا هي المرشح الأول، يليها اليمن. فالبلدان ينتشر فيهما السلاح، وفيهما وجود لـ«القاعدة» والمتطرفين، ومع الحرب والفوضى سيجد «داعش» البيئة التي يبحث عنها لنقل قاعدته ومقاتليه. ليبيا تبقى الأكثر جاذبية للدواعش الذين ستغريهم الفوضى التي يعيشها هذا البلد المنكوب، ووجود السلاح بكميات كبيرة بما في ذلك بقايا من الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية التي نهبت من مخازن قوات العقيد الراحل معمر القذافي. وجود «داعش» في ليبيا سيضعه على الحدود الغربية لمصر التي تخوض حربًا ضد الإرهابيين في سيناء الذين بايعوا دولة أبو بكر البغدادي الإسلامية المزعومة. مصر ليست وحدها المهددة لأن للدواعش كوادر مغاربية تأمل في تفجير الأوضاع بالجزائر والمغرب وتونس، وفي التمدد بالتواصل مع عناصر الإرهاب من مالي إلى نيجيريا. كذلك فإن التنظيم سيصبح قريبًا من أوروبا التي استهدفها بهجماته الإرهابية وهددها بالمزيد.

مغادرة «داعش» للعراق وسوريا إذا حدثت، لن تعني بالضرورة أمنًا أو استقرارًا للأوضاع في البلدين، فالأزمة السورية لا تزال بعيدة عن الحل، حتى وإن تفاءل البعض بتحركات نهايات 2015، والعناصر الداخلية للأزمة ستبقيها مشتعلة لفترة طويلة قادمة خصوصًا مع النفخ في نار الطائفية والمخاوف الإثنية. أما في العراق فإن «داعش» عندما يخرج سيكون قد عمق النزاع الطائفي ومخاوف السنة وطموحات الأكراد، بما يعني أن البلد سيبقى في حالة احتراب داخلي قد تعيد فتح ملف ما سمي حل الدويلات الثلاث، مع استمرار الصراع الإقليمي لسنوات مقبلة.

2016 لا يبدو مبشرًا للعرب على أي صعيد، ففي كل بلد تقريبًا هناك مشكلات وملفات تنتظر حلاً، بينما تبدو الصورة العامة قاتمة ليس فقط بسبب غول الإرهاب والتطرف، أو الحروب والأزمات التي تهدد بتفكيك دول، وإنما أيضًا بسبب الخلافات والصراعات العربية – العربية التي أوجدت حالة العجز والوهن المسؤولة عن كثير من مصائبنا الراهنة.. أو القادمة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com