الإرث والنقيض – إرم نيوز‬‎

الإرث والنقيض

الإرث والنقيض

سمير عطا الله

بعد خروجها من داوننغ ستريت، حيث لا يدوم العز السياسي طويلاً، سواء كان القاطن رجلاً مثل ونستون تشرشل أو سيدة مثلها، أخذت مارغريت ثاتشر تسافر حول العالم، إنسانة عادية تسعى إلى التعرف إلى التاريخ. وصدف يوم جاءت إلى البحرين أن كنت هناك. ووضع لها الراحل طارق المؤيد برنامجًا أهم ما فيه زيارة المتحف، وكلّف السفير خليل الذوادي بأن يكون دليلها. وبعد بدء الجولة بقليل، تركنا طارق كالعادة، قائلا لي: «لماذا لا تستفيد من الجولة التاريخية أنت أيضًا؟».
أما أنا أيضًا فكان فضولي الحقيقي المسز ثاتشر والتاريخ الحديث، وليس الآثار القديمة في حضارة الدلمون، البحرين القديمة التي هرب إليها «الآلهة» ممَّا بين النهرين بعد الفيضان العظيم الذي نجا منه أتراهاسيس وزوجته وعائلته في مركب لا تنفذ إليه المياه. وخلال الجولة لم تتوقف المسز ثاتشر عن طرح الأسئلة وإبداء الإعجاب والتعجُّب. وإلى الآن لا أدري كم كان في ذلك صدق، وكم كان فيه لياقة وتأدّب، من سيدة تنتمي إلى إمبراطورية غطّت ذات يوم ربع الأرض.
سواء كان ذلك صدقًا تامًا، أو لياقة، فقد كان احترامًا لتاريخ الآخرين وحضاراتهم. ومن موجودات متحف بريطانيا نفسها كانت المسز ثاتشر تعرف أن هذه البقعة من الأرض هي أكبر وأقدم مخزن للحضارات القديمة، من آثار وأساطير. ومن بلدان صغيرة مثل البحرين ولبنان إلى بلدان مثل مصر والعراق وسوريا. وقد سبقت هذه الحضارات الكبرى حضارات أوروبا، قبل أن تعود فتتخلف عنها، هذا التخلف الشديد. ولذا، رأى رجال عصر النهضة أن الحل هو في الانفتاح على الحضارات الأخرى والدخول في سباق معها، بينما دعا آخرون إلى العزلة والعهود، إلا الرحابنة، فغنوا فقط للأوطان والعواصم. كانت قناعتهم بأن الشخص زائل والعهود إلى زوال والأوطان وحدها باقية. لم يخطر لهم لحظة أن هذه مهددة أيضًا لأن الناس لم يعطوا سوى طوابع البريد.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com