بماذا تحلم؟

بماذا تحلم؟

سمير عطا الله

تعدّيتُ زمن الأحلام منذ زمن بعيد. ومنذ زمن أيضًا وأنا راضٍ من زمني بما أنا فيه، شاكرًا حامدًا وممتنًّا. وأتذكر الآن أنني حتى في يفاعي لم أحلم بأشياء كثيرة. لبرهة حلمت بأن أصبح عازف بيانو، وأنا لا أعرف الفرق بين المفاتيح السوداء والبيضاء. وحلمت مرة بأن أصبح محاميًا لأدافع عن المظلومين. ومرة بأن أكون طبيبًا نفسيًا لأساعد المتألمين. عدا ذلك، تقريبًا لا شيء. ولا مرة خطر لي أن أكون سياسيًا، أو رجل أعمال. حملت هذا القلم مبكرًا ورضيت به، ولست أعرف دائمًا رأيه برفقتي. لكن من كمية الورق الذي نستهلكه معًا، يُخيّل إلى أنه ليس كثير التذمّر من هذه الشراكة الصادقة والعادلة: لا يهينني ولا أهينه. يألفني وآلفه. ولعل الخيار كان متعادلاً بينه وبيني، لا كره ولا جفاء.
وفي الصحافة، لم أحلم مرة بأن أكون ناشرًا. ففي شبابي رأيت ناشرين غير قادرين على دفع أجور المحررين. وقررت أن أبقى محررًا يتأخر عليّ راتبي، على أن أكون ناشرًا أؤخِّر رواتب زملائي. وحتى تجاربي في رئاسة التحرير كانت ناجحة مهنيًا وبائسة إداريًا. فقد وقفت مع المحرر، ظالمًا كان أو مظلومًا. وفي ذلك أخطأت أحيانًا في حق الناشر، وربما في موازاته. ولست نادمًا، لكنني غير قادر، مهما طال الزمن، على أن أنسى ما عانيته من زملائي المحررين. ولا أن أنسى ما لقيته من تكريم وفضل أصحاب الصحف، من سعيد فريحة إلى غسان تويني إلى بسام فريحة إلى «الأسبوع العربي» إلى خالد وفيصل وعهدي المرزوق في «الأنباء». لم يكن فيصل وعهدي ناشرين، بل كانا ولا يزالان صديقين ورفيقين، تحملا مني الظلم في سبيل المحررين.
إذ أتطلع خلفي في هذه التجربة المتفاوتة أتساءل: هل حلمت مرة بأن أقلد أساتذتي، سعيد فريحة وغسان تويني؟ أو الذين عرفتهم عن بعد، مصطفى وعلي أمين ومحمد حسنين هيكل؟ أو محمد التابعي، الذي قلده الجميع؟ أو صديقي ورفيقي أحمد بهاء الدين؟
الحقيقة، لا. الحلم الذي لم أحققه هو أن أكون مراسلاً على طريقة البولندي العظيم رزيارد كابوشنسكي. كلما وصلت إلى مكان أعيد شراء كتبه، وأعيد قراءتها. وكلما قرأتها أتحسر على أنني اخترت كتابة الزوايا بدل الإبحار في زوايا الأرض وشعوبها، كما فعل هو، متجاوزًا أكبر الروائيين، محلقًا في أعالي العمل الصحافي.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع