«قدّ البحر»

«قدّ البحر»

سمير عطا الله

لا أدري كيف أكتب عن فيروز. كلما حاولت، يسقط الصحافي القديم أمام الصبي العاشق. تضيع القواعد بين السطور، وتتلاشى مراحل العمر، وتبقى هذه الشاهدة الغارقة العينين، التي حنجرتها مثل بحر من الفيروز.
لا أستطيع أن أفصل بين فيروز كرمز لأعمار الناس ورمز لعمري. كل إنسان يشعر بأنها غنت له وحده، في فرحه وفي حزنه، وخصوصًا في غربتيه، الوطن والخارج. وشعرت في شبابي بأنني بالغت في الرومانسية عندما كتبت لها «صوتك وطني». لكن كلما تقدم العمر وذاب الوطن أزدادُ شعورًا بأن فيروز كانت صورة الوطن الكامل. صوته وصداه. جمال القرى وسعة المدن وهناء القمر ونسمة الجبل، و«شايف البحر شو كبير، قد البحر بحبك.. شايف السما شو بعيدة، بُعد السما بحبك».
في الغناء وعلى المسرح، كانت فيروز شيئًا من كل واحد منّا. إذا شَدَتْ حلَّقت بنا المشاعر وطافت بنا الأوتار، وإذا حكت أخذتنا الرهبة الجميلة. وكيفما غنّت انتشرت الحدائق وعادت من هجرتها الطيور.
في ثمانينها، لست أعرف كيف أكتب عن فيروز. لكن عندما أتأمل مسيرتها وحياتنا، أشعر بأنها لبنان الوحيد الذي لم تتغير علاقتي به. لبنان الوحيد الذي بقي جميلاً وعبقريًا ورحبًا وصادقًا وإنسانًا. لطالما انتشلته من أعراض السقم واليأس، وأعادت إلينا حبّه والتعلّق به. وكلما كانت تتكاثر عليه البشاعات، كانت تمسحها عن وجهه بمنديلها الصغير.
تحتفل فيروز بثمانين عامًا، والاستقلال باثنين وسبعين عامًا. وتملأ صورتها بشاعة الفراغ، ويبدد حضورها قسوة القساة والظالمين وعتم الخوف. ويظل لبنان حاضرًا بجماله، فقط في غنائها ومسيرتها. طغى صوتها على كل شيء، وصرنا نظن أن كل ما كُتب وما لُحِّن لها هو صناعة الرحابنة، الساحرين هما أيضًا. لكن الرحابنة ظلما كثيرين من الشعراء والموسيقيين الذين ما إن غنت لهم حتى صار كل شيء فيروزًا.
لم يحدث هذا الإلغاء عند أم كلثوم، حيث لم يكن كل قصيد أحمد رامي، ولا كل لحن رياض السنباطي. ثمانون فيروزة نادرة. وقد قال جان كوكتو: «على المرآة أن تفكر طويلا قبل أن تعكس ما تراه».

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع