محورية الملك سلمان في قمة العشرين

محورية الملك سلمان في قمة العشرين
الملك سلمان

راجح الخوري

قبل عشرة أيام اختارت مجلة «فوربس» الأميركية العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود ضمن أوائل الشخصيات الأكثر نفوذًا في العالم، وهذا ما يعكس عمليًا واقع الدور المحوري للسعودية الذي يقوده خادم الحرمين الشريفين على مختلف المستويات، الخليجية منها والعربية والإقليمية والدولية.
وهكذا، عندما يجلس الملك سلمان غدًا في قمة مجموعة العشرين الكبار، التي ستعقد في أنطاليا سيكون له صوت بارز في هذه القمة المهمة، التي تجمع زعماء دول كبرى فاعلة ومقررة على المستوى الدولي، لأنه من المعروف أنها تمثل ثلثي سكان العالم وما نسبته 90 في المائة من الاقتصاد العالمي و80 في المائة من التجارة الدولية. والمعروف أن مجموعة العشرين الكبار بدأت اجتماعاتها على مستوى القمة بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ومنذ ذلك الحين برزت السعودية شريكًا محوريًا مقررًا في هذا المنتدى العالمي المهم.
لكن القصة ليست مقتصرة على الشأن الاقتصادي والمالي، فمن الواضح والمفهوم أن مشاركة خادم الحرمين الشريفين في هذه القمة، تمثل ضرورة حاسمة ومؤثرة بالنسبة إلى أعضاء المجموعة الدولية الكبيرة، وما تتخذه من قرارات وتقرره من سياسات، وذلك قياسًا بالدور التفاعلي والمحوري الذي هندسه الملك سلمان للسعودية وللأسرة الخليجية والبيت العربي، والذي برز في شكل أساسي بعد إطلاقه «عاصفة الحزم»، دعمًا للشرعية اليمنية في مواجهة الانقلابيين الحوثيين الذين يعملون وفق أجندة إيرانية متمادية.
قد يكون من الضروري التوضيح أن خادم الحرمين الشريفين سيرأس إلى قمة أنطاليا في تركيا وفدًا كبيرًا يضم مئات المسؤولين على ما ذكرت الأنباء، وهو ما يؤكد اتساع وشمولية الملفات والمواضيع التي ستعكس مشاركة الموقف السعودي الفاعلة في مختلف القضايا التي ستتطرق إليها مناقشات الزعماء العشرين الكبار ومعاونيهم.
ومن المعروف أن المجموعة تضم أميركا وروسيا وبريطانيا والصين واليابان وكندا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وأستراليا والبرازيل والهند وإندونيسيا والمكسيك وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية والمفوضية الأوروبية، ولكن الإعلان عن أن مضيف القمة الرئيس رجب طيب إردوغان دعا مجموعة أخرى من الدول، يعني عمليًا أن مجموعة واسعة من القضايا الاقتصادية والسياسية ومن الأزمات الملتهبة، التي لها تأثيرها الحاسم في العلاقات الدولية وحتى في الدورة الاقتصادية العالمية، ستكون مدار النقاشات، ولعل هذا ما يستدعي حضور هذا الوفد السعودي الموسع.
لم يكن من المفاجئ الإعلان عن أن إردوغان طلب من منظمي القمة إدراج مروحة من المسائل الساخنة التي تشغل عواصم العالم الكبرى، وتؤثر جذريًا على الوضع الاقتصادي العالمي وعلى العلاقات بين الدول، مثل قضية الإرهاب والأزمة السورية المتمادية على امتداد خمسة أعوام وما نجم عنها من مشكلات وتعقيدات، وخصوصًا مشكلة اللاجئين التي لم تنعكس على دول الجوار فحسب بل أصابت أيضًا الدول الأوروبية.
صحيح أن هذه المسائل أضيفت إلى جدول أعمال اليوم الأول من الاجتماعات، وأنه من المقرر أن تتم مناقشات مستفيضة حول الأزمة السورية بكل أبعادها في أثناء مأدبة العشاء التي سيحضرها زعماء العالم المشاركون في القمة، لكن الصحيح في هذه النقطة تحديدًا، أن الموقف السعودي الذي سيعرضه خادم الحرمين الشريفين سيكون له صداه العميق وفعاليته الأساسية في هذا السياق على أسس:
أولاً: إن السعودية كانت ولا تزال في طليعة الدول التي تشن حربًا ناجحة ولا هوادة فيها ضد الإرهاب والإرهابيين الذين يحاولون اختطاف الإسلام وتشويه صورته أمام الرأي العام العالمي، وقد سبق للرئيس باراك أوباما الذي سيكون موجودًا ومستمعًا، أن أعرب تكرارًا عن ثنائه وإعجابه بالنجاح الذي حققته السعودية في هذا الخصوص.
ثانيًا: إن الملك سلمان الذي من المعروف أنه يتبنى ويدعم بقوة إنشاء المركز الدولي لمحاربة الإرهاب، وصل إلى أنطاليا فورًا بعد استضافته في الرياض القمة الرابعة للدول العربية ودول أميركا اللاتينية، حيث استهل خطابه بالدعوة إلى تنسيق مشترك في مواجهة خطر الإرهاب، وكان من اللافت أن «إعلان الرياض» الذي صدر عن تلك القمة رحّب بإنشاء المركز المذكور وبدعم السعودية له، كما رفض أي ربط بين الإرهاب وأي ديانات أو أعراق أو ثقافات.
ثالثًا: إن ما تضمنه «إعلان الرياض» بعد القمة العربية الأميركية الجنوبية لجهة الالتزام القاطع بسيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، والتأكيد على أهمية الحل السلمي، الذي ينهي المأساة المتمادية على أساس عملية انتقال سياسي وفق مؤتمر «جنيف 1»، يمكن أن يشكل أساسًا ومنطلقًا محوريًا مفيدًا للمناقشات التي ستدور حول الأزمة السورية، وخصوصًا في حضور الرئيسين الأميركي والروسي وبعد زيادة الانخراط الروسي في الحرب السورية، والحديث المتصاعد عن اتجاه أميركي إلى زيادة في دعم وتسليح المعارضة السورية التي تحارب «داعش».
ينتقل خادم الحرمين الشريفين من قمة الرياض التي ضمت 34 دولة بينها 22 دولة عربية و12 دولة أميركية جنوبية إلى قمة العشرين في تركيا، وإذا كانت السياسة ستدخل حتمًا على خط الاقتصاد في أنطاليا فقد وردت في «إعلان الرياض» بنود وقرارات قيمة ثمينة تثري النقاشات بين العشرين الكبار، فالحديث مثلاً عن رفض التدخلات في شؤون دول المنطقة لا يعني سوريا وحدها، حيث تتورط إيران مع أذرعها العسكرية في القتال إلى جانب النظام، وهو ما فاقم المأساة واستولد الإرهاب وظهور «داعش»، بل يعني أيضًا التدخل الإيراني السافر في اليمن ودعم الانقلابيين الحوثيين ضد الشرعية، كما يعني التمادي في العربدة إلى درجة جعلت المسؤولين في طهران لا يتورعون عن الإعلان صراحة أنهم باتوا يسيطرون على أربع عواصم عربية هي دمشق وبغداد وصنعاء وبيروت!
قد يرى البعض أن دعوة إردوغان إلى فتح نافذة نقاش في القمة الاقتصادية على الملفات السياسية والأمنية الملتهبة، يمكن أن تثقل أجندة قمة العشرين الكبار، التي يفترض أن تناقش مروحة واسعة وحساسة من البنود الاقتصادية المدرجة أصلاً على جدول الأعمال، وفي مقدمتها المصاعب المتزايدة التي تواجه الاقتصاد العالمي، وخصوصًا في ظل التباطؤ المقلق في الاقتصاد الصيني، وكذلك الارتفاع المحتمل في معدلات الفائدة الأميركية.
عمليًا يرى الخبراء أن هذا قد يثقل أجندة قمة أنطاليا، ولكن نظرة سريعة إلى خريطة الأحداث الملتهبة من أوكرانيا التي تعوق الاقتصاد الروسي، إلى سوريا والعراق واليمن وليبيا، تعيد تأكيد صدق المعادلة التي لا تفصل كثيرًا بين السياسة والاقتصاد.. وفي الاثنين سيكون الصوت السعودي عميقًا ومؤثرًا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع