زيارة وداعية إلى موسكو؟

زيارة وداعية إلى موسكو؟

راجح الخوري

لا يريد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يبدو كمن ينخرط اليوم في حملة عسكرية مدوية قال إنها لدعم الشرعية السورية ومحاربة «داعش»، ثم يسارع بعد ثلاثة أسابيع إلى فتح أبوابه أمام التسوية السياسية، التي طالما عطلها على خلفية تمسكه ببقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة.
لهذا لم يتردد أحد السفراء الغربيين ببيروت في القول إن نزول الأسد فجأة يوم الثلاثاء الماضي في موسكو، ليس في الواقع سوى زيارة ترضية وداعية، ذلك أن بوتين لا يريد أن يبدو كمن يفرض حلاً يقوم على فرض التنحي على حليفه الأسد، بعد تشكيل هيئة انتقالية بمشاركة كل القوى وبالتعاون من الدول الفاعلة إقليميًا ودوليًا.
وذلك أيضًا أن وجود الأسد في موسكو في أول زيارة خارجية له منذ بداية الأزمة الدامية، سيسمح على الأقل ولو شكلاً بإظهاره شريكًا مقررًا في التسوية، وهو ما يسهّل الأمور عليه وعلى مؤيديه في الداخل ونسبيًا لدى داعميه الإيرانيين، الذين لن تغيب المرارة بالطبع عنهم عندما يخرج من السلطة في نهاية المرحلة الانتقالية.
كان لافتًا أن الكرملين حرص على توزيع نص مكتوب بعد لقاء الأسد يقول: «نحن مستعدون للمساهمة، ليس فقط في مسار العمليات العسكرية والتصدي للإرهاب، ولكن أيضًا في العملية السياسية، وسيكون هذا بالتأكيد من خلال التواصل عن كثب مع قوى عالمية أخرى ومع دول في المنطقة يهمها التوصل إلى حل سياسي للصراع!».
ولكن ألا يعرف بوتين منذ 30 من يونيو (حزيران) عام 2012 تحديدًا، ماذا تريد هذه القوى العالمية والإقليمية؟ وبماذا طالبت وتطالب دائمًا لإنجاح الحل السياسي في سوريا؟ والسؤال الأهم على أي أساس الآن سيقوم الحل السياسي، الذي حال دونه دائمًا تمسك روسيا بالأسد؟ وهل اقترب بوتين من رأي هذه القوى بضرورة تنحي الأسد، لأن من المستحيل الاقتناع ببقائه، أم أن الحل الوسط الذي بدأ يبرز منذ شهرين على الأقل، هو بقاء الأسد لمرحلة انتقالية؟
يبدو أن المرحلة الانتقالية باتت أكثر إلحاحًا على خلفيتين سياسية وعسكرية، فمن الناحية السياسية هناك ضرورة لبقاء من يمسك بالقرار إلى أن يتم التفاهم على هذه الهيئة، ممن تتشكل؟ وكيف ستعمل؟ وعلى أي أساس ستوزّع الأدوار والمهمات بين أعضائها؟ ومتى تنتهي مدتها؟ وهل ستهيّئ للانتخابات وتديرها؟ وهل هناك حاجة إلى هيئة دولية إقليمية تساندها وتدعمها؟
أما من الناحية العسكرية فهناك ضرورة ملحة لإعطاء الهيئة الانتقالية الوقت كي تتمكن من توفير بيئة استيعابية تصالحية وفق خطة طموحة، تمهّد لجمع القوى العسكرية من المعارضة ومن تشكيلات الجيش السوري، بحيث تتولى هذه القوات القتال الميداني ضد «داعش» والإرهابيين، وفي هذا السياق سيكون مطلوبًا من الروس سحب الإيرانيين وأذرعهم العسكرية من الميدان وهذا يتطلب وقتًا!
هذه التساؤلات وردت في سياق تقرير دبلوماسي، حاول إعطاء توصيف لمتطلبات وشروط الهيئة الانتقالية ودورها المفترض، وما تحتاج إليه من الوقت لكي تتمكن من أن تدير «الحطام السياسي والعسكري» الذي وصلت إليه سوريا بعد خمسة أعوام من القتال والدمار!
ولكن لماذا العودة إلى 30 من يونيو عام 2012؟
لأن بيان الكرملين بعد لقاء الأسد نقل عن بوتين قوله: «في نهاية المطاف التوصل إلى تسوية طويلة الأمد سيكون على أساس عملية سياسية تتم بمشاركة كل القوى السياسية الدينية والعرقية»، وهو ما يذكّرنا بالبند الأول من بيان مؤتمر «جنيف-1» الذي عقد في ذلك التاريخ وجاء فيه حرفيًا: «تأسيس هيئة حكم انتقالي بصلاحيات تنفيذية كاملة تضم أعضاء من الحكومة السورية والمعارضة، ويتم تشكيلها على أساس القبول المتبادل من الطرفين، وبمشاركة جميع عناصر وأطياف المجتمع السوري، في عملية حوار وطني هادف»!
والسؤال هل كان من الضروري أن يدور الزمن السوري ثلاثة أعوام مأساوية في الدم والدمار لنعود إلى صيغة الهيئة الانتقالية إياها، مع فارق بسيط لكنه فاجع ومرعب، ألا وهو الاتفاق أخيرًا كما يبدو على صيغة حل وسط تتصل بموعد خروج الأسد من السلطة، على أن لا يكون هذا الخروج فوريًا كما أرادت المعارضة ومؤيدوها، ولا أن يبقى «الأسد رئيسنا إلى الأبد ولو احترق البلد» كما أراد مؤيدوه بمن فيهم أو في مقدمهم بوتين؟
نعم لقد احترق البلد واحترق معه السوريون وبات نصفهم في القبور والمنافي واللجوء، والفرق الجوهري الذي يفترض التوقف عنده، أن حديث بوتين عن التوصل إلى حل سياسي و«بالتأكيد من خلال التواصل عن كثب مع قوى عالمية أخرى ومع دول في المنطقة»، يأتي أخيرًا ليصب في سياق بيان «جنيف-1» مع فارق أكيد وهو بروز ملامح توافق روسي أميركي إقليمي على أن يبقى الأسد لفترة محددة ريثما تمسك هيئة الحكم الانتقالي بصلاحيات السلطة!
العودة ضرورية إلى 30 من يونيو عام 2012، للتذكير على الأقل بأنه لم يكن عدد القتلى السوريين حينها قد تجاوز 36 ألفًا وعدد المهجَّرين مليونًا ونصف المليون وفق أرقام الأمم المتحدة، بينما يتجاوز عدد القتلى اليوم الـ250 ألفًا ويصل عدد اللاجئين إلى 12 مليونًا، وهو ما يدفع بان كي مون إلى تكرار القول منذ عامين إن المقتلة السورية هي كارثة القرن!
ولعل من الضروري في سياق الحديث عن جنيف، التذكير بأنه لم يكن في سوريا لا «داعش» ولا «النصرة» ولم يكن قد تقاطر إليها الإرهابيون من أكثر من مائة بلد على ما قال باراك أوباما، وباتت مواجهة هذا الخطر المتفاقم تتطلب تشكيل تحالفات دولية عجزت عنه حتى الآن، ولمزيد من مرارة السخرية ها هي المقاتلات الروسية التي يقول بوتين إنها تحارب الإرهابيين، تركز قصفها على مواقع المعارضة السورية التي تحاصر المناطق العلوية، كما اعترف بوتين عشية تدخله العسكري!
يبدو أن رياح الحل السياسي تهب من جهات دولية وإقليمية كثيرة، ذلك أن دعوة موسكو إلى لقاء رباعي بين وزراء خارجية أميركا وروسيا والسعودية، وتركيا تأتي كمدخل يتناغم مع السعي الأميركي لعقد لقاء خماسي يجمع أميركا وروسيا والسعودية وتركيا والأردن، وكل هذا في سياق محاولات ساخنة لإطلاق الحل السياسي الذي تأخر كثيرًا.
لهذا ليس غريبًا التساؤل ما إذا كانت زيارة الأسد لبوتين وداعية، إلا إذا كان سيحل عليه في النهاية ضيفًا عزيزًا ودائمًا على شاطئ البحر الأسود!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com