اليونسكو … المنظمة المعاندة للولايات المتحدة!

اليونسكو … المنظمة المعاندة للولايات المتحدة!

زياد الدريس

لا يمكن أحداً أن ينكر النفوذ الطاغي للولايات المتحدة الأميركية على المنظمات الدولية، وقدرتها البالغة على توجيه القرارات الأممية وفق الإملاءات والتوجهات الأميركية. ويبدو هذا واضحاً أكثر ما يكون في عدد مرات «الفيتو» الذي اتخذته الولايات المتحدة على قرارات مجلس الأمن مقارنةً بالدول الأربع الأخرى الدائمة العضوية في المجلس.

لن أقول أن منظمة اليونسكو خالية من النفوذ الأميركي، لكني سأقول بأن هذه المنظمة الدولية لا تخلو من معاندة وممانعة لنفوذ القوة العظمى!

بدأت هذه العلاقة المتوترة بين اليونسكو وأميركا منذ أكثر من أربعين عاماً، إبّان إدارة السنغالي أحمد مختار أمبو لليونسكو، إدارة متينة وصامدة جعلت هذا الاسم الأفريقي هو الأبرز والأشهر منذ سبعين عاماً حتى الآن من بين من تعاقبوا على إدارة هذه المنظمة الثقافية / التربوية.

لكن هذا التوتر الثنائي لم يطفح على السطح إلا في منتصف الثمانينات حين بدأت تُلصق التهم بالمدير العام بأنه يحابي الكتلة الشرقية على حساب الكتلة الغربية. حينها بدأت التكهنات بقرب سقوط أمبو بفعل معاندته للعملاق الأميركي، لكن المفاجأة المذهلة لكل المراقبين أن المدير العام الأفريقي تعملق وتماسك في منصبه، والقوة العظمى هي التي اضطرت للانسحاب من المنظمة في العام 1984 ولم تعد إليها إلا في العام 2003 (20 سنة من الغياب). وقد اختارت الولايات المتحدة العودة في ذلك التاريخ لا عن اختيار عشوائي، بل بالتزامن آنذاك مع انخفاض هيبة القوة الخشنة (العسكرية) وارتفاع أسهم القوة الناعمة، التي محلّها اليونسكو… بيت الثقافة العالمي.

لم تكد الولايات المتحدة ترجع إلى اليونسكو، طامعة في نسيان منغصات مختار أمبو غير المسبوقة معها، حتى جاءها بعد 8 سنوات فقط من عودتها (في العام 2011) ما يفوق النكد السابق، فقد شكّلت عملية التصويت لانتخاب فلسطين دولة كاملة العضوية في اليونسكو تحدياً جديداً للرغبة الأميركية، بحيث لم تُوفر جهداً ديبلوماسياً واقتصادياً، ترغيبياً وترهيبياً، من أجل إفشال عملية التصويت، لكن الفوز الفلسطيني بالعضوية في تشرين الأول (أكتوبر) 2011 لم يكن اعتيادياً بل كان ساحقاً وموجعاً للذين أرادوا إجهاضه.

ولأن الولايات المتحدة، بما لديها من تحليلات حاذقة وعميقة، كانت تعي الفارق في المرحلة بين عامي 1984 و2011 من حيث متطلبات الوجود المكين بجوار القوة الناعمة، فقد كان القرار الأميركي هذه المرة ليس بالانسحاب ومقاطعة اليونسكو، ولكن بالامتناع عن دفع المساهمة السنوية مع البقاء. ترتّب على هذا بالطبع قرار الدول الأعضاء في العام 2013 حرمان الولايات المتحدة من حقها في التصويت، وهو ما يشكّل الحد الأدنى من العقوبة لدولة قادرة مالياً تمتنع عن دفع حصتها في المساهمة السنوية لتمويل برامج المنظمة.

الدول التي لم تقتنع بهذه العقوبة «الناعمة»، ستجد فرصتها في التعويض يوم 11 تشرين الثاني (نوفمبر) إذ ستجرى انتخابات لاختيار أعضاء المجلس التنفيذي (مجلس الإدارة) في المنظمة، حيث ستنتهي عضوية الولايات المتحدة وتريد إعادة انتخابها، وبما أنها غير قادرة على استخدام النهج الانتخابي الشائع بتبادل الأصوات مع الدول الأخرى (صوّت لي وأصوّت لك) لأنها لا تستطيع أن تصوّت لأحد ولا حتى أن تصوّت لنفسها، فقد انتهجت الولايات المتحدة الأسلوب العاطفي من أجل كسب الأصوات، وهو بالمناسبة أسلوب تجيده الولايات المتحدة إجادة تامة من خلال قدرتها على التنقل السلس بين الخطاب البراغماتي والخطاب التراجيدي.

الولايات المتحدة لا تريد أن تصدّق بأنها يمكن أن تنهزم للمرة الثالثة في منظمة اليونسكو «العنيدة»، ولذا فهي تلعب بكل الأوراق من أجل كسب معركة الانتخابات المرتقبة.

وقد بلغت بها ذروة ذلك، أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري هبط بطائرته في باريس صباح الأحد الماضي وغادرها بعد ظهر اليوم نفسه، لا ليجتمع بنظيره الفرنسي ولا باللجنة الرباعية، ولكن خصيصاً فقط ليحضر حفل غداء أقامته السفيرة الأميركية لدى اليونسكو على شرف السفراء والمندوبين الدائمين للدول الأعضاء لدى المنظمة، ليلقي فيه كيري خطاباً شاملا مطولاً يستجدي فيه بكل وضوح التصويت للترشح الأميركي، ولينتقل الوزير البارع من طاولة إلى أخرى ملقياً وعوده لضيوف الغداء بأنه سيسعى بكل قوة مع الكونغرس لإعادة دفع المساهمة الأميركية للمنظمة في أقرب فرصة.

هذه الحماسة الأميركية ستثير بالطبع فضول الدول العربية، خصوصاً تلك التي ترى هامشية منظمة اليونسكو وتكرس حراكها السياسي والديبلوماسي للمنظمات السياسية فقط، ولا تفهم سبباً لهذا الإصرار الأميركي على هذه المنظمة الثقافية (اليونسكو) على رغم المتاعب؟!

السؤال العربي مبرر ومشروع، لكن غير المشروع هو عدم جديتهم في البحث عن إجابته حتى الآن.

وبعد، هل ستنجح المساعي الأميركية القصوى في الحصول على المقعد، أم ستكون الهزيمة الثالثة لأميركا، ما يؤكد استحقاق اليونسكو فعلاً لقب «المنظمة المتمردة»؟!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com