أخلاق كويتية! (3)

أخلاق كويتية! (3)

نجم عبد الكريم

كان جدي الحاج حمزة من تجار مدينة السماوة في العراق، وامتدت تجارته إلى الكويت، حيث كان يصدر التبغ إلى تاجر من عائلة القطان، ويصدر أيضاً العباءات، وصناعات السجاد اليدوية (الإيزار) التي اشتهرت بها السماوة.
ولما توفي جدي، دبت الخلافات بين الورثة، فخرج منها والدي بخفي حنين، لأنه لم يكن موجوداً أثناء توزيع التركة، ثم إنهم اتهموه بأنه أخذ أكثر من حقه بما كان يبذره بأسفاره المتعددة!
فلجأ والدي إلى الكويت، وكان لابد له من التواصل مع من كان يتعامل مع والده، فاستقبلوه أجمل استقبال، وكان يصحب أطفاله أحياناً معه في بعض تلك الزيارات، لكنه بقي بلا عمل فترة، مما اضطر العائلة إلى شراء ”زبيل“ كبير يربط في الرأس ويتدلى على ظهر من يحمله، ليقوم الابن الأكبر ”نجم“ بالعمل حمالاً في سوق الخضار وسوق اللحم.
ومضى الأسبوع الأول متعثراً من حيث المحصول! ولكن بعد أن تم التعرف على بعض من يعرفون والدي، وكانوا على اتصال بجدي، فقد تغير الوضع، وأصبحت الحمّال الأثير لديهم انطلاقاً من مقولة ”ارحموا عزيز قوم ذل“!.. فراجت سوقي في عالم الحمالة! مما استثار حفيظة بقية الحمالين – ومعظمهم من غير العرب – فكانوا يسمعونني كلمات عدائية مثل: العراقي، ابن الـ……..، وكلمات أخرى جارحة، ولم أكن أعبأ بما يقولون، فهم كثيرون وأكبر مني سناً!
وفي يوم جاء ”أبوجاسم“، وهو وجيه معروف، فاختارني لتحميل مشترياته، وقد سبق لي أن حملت له من قبل، مما جعلني أذهب إلى منزله بمفردي من دون أن يصحبني أحد!
وبينما أنا أسير في زقاق ضيق وجدت الحمالين قد سدوا الطريق في وجهي! ولما حاولت اقتحامهم، تولوني بالضرب، والرفس، واللكمات، بل إن بعضهم قد معه حمل عصا! واستلبوا كل ”الماﭽلة“ وفروا!
ذهبت وأنا أنشج بالبكاء، وتلك الحالة المزرية، وشرحت لأم جاسم ما حل بي.. فما كان منها إلا أن أدخلتني إلى البيت ومسحت الدماء من فمي ومناخيري وجبيني، ثم أسقتني شراباً، وطيبت خاطري بكلمات الأمومة الصادقة.. ثم ارتدت عباءتها وقالت:
– يلا يا وليدي نروح السوق.
وذهبت معها واشترت ما تريد شراءه.. وقد اختفى الذين ضربوني تماماً من السوق!
ولما وصلنا إلى البيت وضعت بيدي خمس روبيات، وهذا المبلغ يساوي عمل أسبوع في السوق!
* * *
ولما تقرر بناء تصفية تحلية مياه في أواخر أربعينيات القرن الماضي في الشويخ، أعطى المرحوم عبدالله الملا والدي وظيفة رئيس عمال، فتغيرت مهنة الحمالة.. لكني كنت أتردد للسلام على أم جاسم بين حين وآخر، وكانت كريمة معي بالطعام والمال.. أما في الأعياد فكانت أكثر كرماً في عيديتها!
ومضت السنون وغدوت مسؤولاً في التلفزيون، وفاجأني يوماً سكرتيري فؤاد راتب (خواجا بيجو) يخبرني بأن هناك سيدة على الهاتف تريد التحدث إليك!
– هلا بوليدي! أنا أم جاسم، ليش انقطعت عني؟!
وتبادرت إلى ذهني مواقفها الإنسانية فلم أتمالك نفسي بمحاورتها إلا بحوار دامع… وظللنا نتواصل بين الحين والآخر عبر الهاتف!
قالت لي يوماً:
أردت أن أخطب لك بنت أختي اليتيمة، لكن العائلة اعترضت لاختلاف ”المذهب“ ثم سخرت: يا لهذه العقليات المتخلفة!
ويوم أعلن عن وفاة أم جاسم كنت في المقبرة من بين الموجودين الأكثر تأثراً، حيث لم أتمالك مشاعري من النشيج!
فكانت نظرات الاستغراب من الموجودين:
ما علاقة نجم عبدالكريم الإعلامي والكاتب بأم جاسم؟! والدة الوزير الفلاني، وزوجة الثري المعروف الفلاني؟!
مساكين!! يحق لهم أن يستغربوا، لأنهم لا يعرفون المواقف الإنسانية التي جذرتها هذه السيدة في وجداني.. النموذج الكويتي الحقيقي!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com