الحرب الدينية في القدس

الحرب الدينية في القدس

الياس حرفوش

لم يكن صعباً توقع الانفجار الأخير للمواجهات بين الشبان الفلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي. ومع أنه يخال للمرء أحياناً أن روتين الحياة اليومية يمكن أن يدفع الناس الى الاعتياد على الظلم والقمع ومعاناة قسوة الاحتلال، إلا أن الطبيعة البشرية تأبى هذا الروتين، ولا تلبث أن تنفجر في وجهه، وخصوصاً عندما يصل الوضع، كما هو بالنسبة الى معظم الفلسطينيين اليوم، إلى نقطة لا يبقى أمامهم عندها ما يمكن أن يخسروه.

نار تحت الرماد، هو الوصف الذي يمكن إطلاقه على هذا الوضع الذي كان قابلاً للانفجار، سواء في القدس حيث يستمر تهويد المدينة التي يعتبرها الإسرائيليون «عاصمتهم الأبدية»، في تحدّ للعالم كله، أو في الضفة الغربية حيث تتسع المستوطنات وتتمدد في غفلة من عيون العالم (والعرب)، أو في قطاع غزة حيث البؤس والفقر هما الصفة اليومية الملازمة لحياة أهل القطاع.

صحيح أن إسرائيل قادرة على القتل والتدمير وهدم البيوت، وصحيح أن هناك تجاهلاً واسع النطاق لمعاناة الفلسطينيين، يرافقه غرق الدول العربية في همومها الذاتية، التي وصلت حد إعادة رسم الخرائط وتقرير مصير المنطقة، إلا أن هذه القضية التي اعتدنا أن نطلق عليها اسم «قضية فلسطين» أو «أزمة الشرق الأوسط»، إذا شئنا أن نرفع من قيمتها، تأبى أن تغيب. هي حاضرة طالما الإنسان الفلسطيني المعذّب حاضر. وأمام هذا الحضور، لا تجد إسرائيل، بكل قوتها وبطشها، ما تستطيع أن تفعله… سوى الإمعان في مزيد من القتل.

راهنت إسرائيل على أن غياب الهمّ الفلسطيني عن خريطة الاهتمامات الدولية يمنحها الحق في المسّ بالمحاذير، وأهمها المحاذير الدينية المتصلة بالمشاعر العميقة للفلسطينيين. وفي ظل حكومة يمينية غارقة في صلفها العنصري ضد العرب، وفي فرض هوية للدولة على أسس عرقية ودينية، من خلال التركيز على شعار «الدولة اليهودية»، برزت تحركات المتطرفين اليهود للاعتداء على المسجد الأقصى، في محاولة لدخول الحرم وتقاسم أوقات الصلاة فيه مع المسلمين، أسوة بما فعلوا في السابق (ونجحوا) في الحرم الإبراهيمي في الخليل.

تبنت حكومة نتانياهو النهج العنصري المتلازم مع التطرف الديني الذي يعبر عن قناعات معظم أعضائها، الذين يمثلون الفئات الأكثر يمينية في المشهد السياسي الإسرائيلي. مع حكومة كهذه صار كل حديث عن السلام والاتفاقات إضاعة للوقت. ومع انهيار كل صدقية لما كان يعرف بـ «معسكر السلام» بين الإسرائيليين، خسر أنصار الحلول الوسط في الجانب الفلسطيني والمدافعون عن التسويات والتنسيق الأمني رصيدهم، وفي مقدم هؤلاء الخاسرين السلطة الفلسطينية ورئيسها، الذي يبدو في خطبه الأخيرة وكأنه أول المقتنعين بفشل النهج الذي سارت عليه السلطة منذ اتفاقات أوسلو الى اليوم.

الهوية الدينية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي هي الطاغية اليوم على الهوية الوطنية، عندما كان حل الدولتين هو شعار المرحلة، وكان يفترض أنه المخرج الواقعي للنزاع الطويل. وعندما يأخذ الصراع طابعه الديني هذا، فانه يؤسس لمرحلة من التطرف من الجانبين هي الوصفة الأكيدة لنزاع مفتوح، ففي مواجهات من هذا النوع، لا يعود هناك مكان للحلول الواقعية أو للتسويات في منتصف الطريق.

وطالما لم يبادر المجتمع الدولي إلى وضع يده والمشاركة في حل للصراع الديني في القدس، وفرض حماية دولية للأماكن الدينية في المدينة، فإن من الصعب تصور حل يستطيع معه الفلسطينيون بمفردهم مواجهة الاعتداءات المتكررة على مقدساتهم، والتي يحاول المتطرفون اليهود من خلالها فرض الأمر الواقع الذي يسعون إليه.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة