هل الناس تريد التغيير؟

هل الناس تريد التغيير؟

موسى برهومة

لا ينفكّ السؤال المعذِّب يتقدّم الأسئلة الأخرى الأكثر إقلاقاً للإنسان العربي في هذه القنطرة الملتبسة: هل الناس، حقاً، تريد التغيير؟

وفي مقاربة ما يحيط بالسؤال من تفاصيل، تنهض شواهد على حركات تغيير وثورات وانتفاضات وانقلابات في النظام العربي السياسي منذ الخمسينات، لكنّ أغلبها لم يُفضِ إلى تغيير حقيقي ينقل المجتمع من حال متردٍّ إلى آخر أقلّ تردياً.

وحتى ما عُرف بـ «ثورات الربيع العربي» جرى إجهاضها، وشيطنتها بذرائع وممارسات ألقت في قلوب الناس الرّعب والهلع، وجعلتهم يتحسّرون، بعد أن كانوا شامتين هازئين، على أزمنة صدّام حسين، والقذّافي، وحسني مبارك، وسواهم. وهؤلاء المتحسّرون كانوا هم أو آباؤهم أو أجدادهم من تحسّروا على زمن السادات، ومن قبله عبدالناصر، والحكم الملكي في مصر. فما من جماعة إلا وعصف بها الحنين إلى أزمنة ماضية، لأن الحاضر «الجديد» أصابها بخيبة الأمل!

وباستثناء ما جرى في تونس التي حازت، أخيراً، جائزة نوبل للسلام بفوز رباعيّة الحوار الوطني نظراً «الى إسهاماتها الحاسمة في بناء ديموقراطية تعددية» في البلد الذي شهد «ثورة الياسمين»، فإن الانتقالات الديموقراطية الأخرى، كانت دامية ومدمّرة، والمثالان السوري والليبي شاهدان فظيعان على الكراهية المتأصّلة للديموقراطية في عروق الطغاة وأنظمة الاستبداد و «نُخب الطوائف».

وفي غمرة المقاربة والتبرير واستجلاء أحوال المجتمعات العربيّة وبنيتها النفسيّة واستعدادها لتقبّل التغيير وهضمه والتعامل مع «إكراهاته» طُرحت أفكار كثيرة حول جاهزيّة العرب للديموقراطيّة، وهل يتوفّرون على ثقافة ديموقراطيّة تؤهّلهم للقفز عن مرجعيّاتهم الدينيّة والمذهبيّة واالقَبَليّة والإثنيّة، لمصلحة إقامة نظام تداوليّ للسلطة لا يقوم على الغَلبة، ويرضخ لإملاءات «صناديق الاقتراع» ونتائجها؟

وكما راح، استطراداً، محمد عابد الجابري يتحدث، بما يشبه الحتميّة، عن عقلانيّة المغرب وعرفانيّة المشرق، وكأنهما عقلان منفصلان يعتمد الأول على التفكير البرهاني، فيما يغلب على الثاني النظر العرفاني والبياني، فإنّ آخرين يقاربون بحتميّة مشابهة، فكرة عدم أهليّة المجتمعات العربيّة على امتصاص صدمة الديموقراطية، بسبب الإرث الكبير من الحكم الأبويّ، والقبضات الأمنيّة، والهيمنة الاجتماعيّة الدينيّة التقليديّة التي ساوت، منذ أيام بني أميّة، بين طاعة الله وطاعة الحاكم.

وثمة هوس لدى غالبية الناس بالمقارنة، فإن أنتَ حدّثتهم عن التغيير انتفضوا في وجهك، واستذكروا الأبشعَ والأكثرَ توحشاً والأشدَّ حلكة ودمويّة: (انظر إلى ما جرى في ليبيا. راقب ما يجري في اليمن. تأمّل فيما هو جارٍ ومتواصل في سورية. حدّق في مآلات العراق ومصائره. أعطني دولة عربيّة، بسبب التغيير الذي تتحدث عنه، تخلو من العنف والإرهاب إلا باستثناءات قليلة. دعنا يا هذا من التغيير والثورة. نحن مرتاحون لما نحن فيه، رغم كل شيء)!

وربما يندرج في إطار العبارة الأخيرة: «نحن مرتاحون لما نحن فيه، على رغم كل شيء»، أي الشرور الكثيرة، من غياب الحريات الأساسية، وامتهان روح الإنسان، وعدم قدرة البشر على الوفاء باحتياجاتهم الأساسية، وتفشّي الفساد والمحسوبيّة، وغياب القانون، وهيمنة المافيوية، وتكميم الأفواه، وخراب منظومة التعليم والإعلام والثقافة والقيم، وانتشار البطالة والفقر والخوف، وتجويف المجتمع بتعطيل قواه الحيّة، وكبح نزوعاته بأن يكون إنساناً كريماً، معافى من الكوابيس والأوهام والاضطّرابات النفسيّة التي تجعله غير آمن، أو متيقّن من مرور يومه الثاني من دون كوارث أو عواصف أو تهدّمات.

وثمة من يسبغ «الحق» على مخاوف هؤلاء البشر الذين صاروا يخشون الضوْء لفرط بقائهم في العتمة، ويعتقدون أن التغيير يحتاج إلى تأهيل طويل متشعّب المراحل والأهداف، ليسوا مستعدين له. هم، فقط، يفكّرون بالحاجات الأساسيّة، أو ما سمّاها أبراهام ماسلو في نظريته حول الدافعية الإنسانية (Human motivation) الحاجات الفسيولوجيّة المتمثلة في التنفّس، والطعام، والماء، والنّوم، والجنس، والإخراج، وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء البيولوجيّ في شكل مباشر.

ومن بعض الحاجات في الدرجة الثانية من الهرم، ثمة حاجة إلى الأمان، بما يضمن السلامة الجسديّة، والأمن الوظيفيّ، والأمن الأسريّ والصحيّ، ولا هَمَّ إن لم يتوافر «الأمن المعنويّ والنفسيّ»، وسواهما من عناصر الأمان «الرفاهية» التي لا تليق بالإنسان الحزين الذي يتعامل مع الحياة بمنطق «عمّال المياومة» ولا يجرؤ على الحلم أبعدَ من ذلك، لأن ذلك ترفٌ لا يجدر التفكيرُ فيه، يا رعاكَ اللهّ!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com