التطرف ومناهج (الإعلام)!

التطرف ومناهج (الإعلام)!

زياد الدريس

قد يفاجئك عنوان المقال، إذ اعتدنا طوال سنين عديدة أن العنوان الثابت دوماً للبرامج والمؤتمرات والمقالات هو (التطرف ومناهج التعليم). لن أقول أن العنوان القديم كان خاطئاً طوال العقود الماضية، لكني أتساءل: هل ما زالت مناهج التعليم هي حقاً المسؤول الأول عن صنع التطرف والعنف في عقول الناشئة؟!

كان التعليم هو المسؤول الأول يوم لم يكن حينذاك ما هو أكثر تأثيراً منه. إذ لم توجد بعد وسائل أو وسائط أكثر التصاقاً وقرباً بالفتيان من المعلمين، ولا أكثر استحواذاً وإقناعاً للعقول الطريّة من المعلم.

أما اليوم، وبعد التحول من الإعلام التقليدي الذي كان يتابعه الشيوخ فقط إلى الإعلام الجديد الذي يتابعه الشباب، فقد تغيرت موازين التأثير والاستحواذ على الشباب، فأصبح التعليم المؤثر الثاني بعد الإعلام.

التحولات الفكرية السريعة التي جرت لبعض منفذي العمليات الإرهابية من الشباب، ما كان لمناهج التعليم، ذات النفس الطويل في التغيير، أن تستطيعها، لكن الإعلام الجديد بتأثيراته السمعية والبصرية والوجدانية كان قادراً على ذلك.

إذا ظللنا نطارد العنوان القديم (التطرف ومناهج التعليم) فنحن نضلّل أنفسنا، ليس لأن التعليم غير مسؤول قطعياً، ولكن لأنه لم يعد هو المصدر الأول لزرع بنية التطرف في عقول الناشئة، ولا هو المهدد الأول لسلامة مجتمعاتنا واستقرارنا.

وإذا كنا نخشى في سنين مضت من (المنهج الخفي) في التعليم، فإننا الآن أمام منهج خفي في الإعلام، يتذرع باسم الدين أو الوطنية، قائم على ثالوث: التصنيف والإقصاء والتحريض، وهي توليفة منهجية إذا امتزجت بالصوت والصورة والمؤثرات فهي قادرة خلال أيام على صنع ما لا تصنعه مناهج التعليم خلال سنوات.

نشرات الأخبار الدموية في الفضائيات، على مدار الساعة، قادرة وحدها على صنع ذخيرة كافية من الاحتقان والغضب يتحول في ميادين مواقع التواصل الاجتماعي إلى قنابل تطرف وعنف جاهزة للانفجار في الشوارع والمباني.

ما الحل للتخفيف من أثر (مناهج الإعلام) المتطرف؟

هل هو في تحويل الفضائيات من إخبارية إلى وناسة؟ أم في حجب «تويتر» و «فايسبوك» و «سناب شات»؟!

حين كانت أزمتنا مع (مناهج التعليم) لم ندعُ إلى إغلاق المدارس أو إلغاء المقررات المستغلَّة، بل إلى منع تضمين المقررات الدراسية ما يدعو إلى التطرف، وإلى مراقبة المعلمين المشكوك فيهم وتجريم من يثبت استخدامه منهج الإقصاء أو التحريض أثناء مزاولته العملية التعليمية. هكذا كانت الإجراءات الاحترازية المتبّعة، وإن لم تنجح التجربة في الشكل الكامل.

والآن، هل نحن قادرون على استخدام الأسلوب التطهيري نفسه مع (مناهج الإعلام)، هذا هو السؤال؟!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com