إيران وروسيا.. موضة باطلة وبالية

إيران وروسيا.. موضة باطلة وبالية

خالد القشطيني

للسياسة موضات كموضات الفساتين والسيارات. غير أن مواسم الموضات السياسية أطول بكثير من مواسم الفساتين. فالموسم السياسي الحالي بدأ بحرب السويس 1956. فقبل ذلك التاريخ كانت الموضة أن تكون للدولة مستعمراتها لتسويق منتجاتها والحصول على حاجاتها. وتكون لها قواعدها العسكرية لحماية مستعمراتها وخطوط مواصلاتها. بيد أن الشعب المصري أبطل هذه الموضة وأعلن عن موضة جديدة. أوضح للعالم أن المواصلات الدولية لا تحتاج لقواعد عسكرية لحمايتها. فقناة السويس مفتوحة للجميع وأهلاً وسهلاً بكل من يستعملها.
وأوضح عبد الناصر أن الشعوب لم تعد مستعدة لتقبل حكم أجنبي، وتتحداه وتكيل له الكيل بالكيل. هكذا انتشرت الحركات التحررية في المستعمرات وأذهلت وأرهقت القوى الإمبريالية، فلملمت ثيابها ورحلت. سقطت قبرص وفيتنام والجزائر… إلخ. أدركوا أن المستعمرات أصبحت عبئًا مكلفًا لا خير فيه، وتجاوزًا محرجًا على حقوق الإنسان والشعوب. انفجرت في السبعينات أزمة النفط. دامت بضعة أسابيع، بعدها باع المنتجون ورحب المستهلكون فعادوا لشرائه بسعر السوق، ومن دون قيل وقال.
هكذا لبس العالم ثياب الموضة الجديدة. سميت بموضة العولمة. كل ما تحتاجه الدول مطروح للبيع بسعر السوق. ادفع وحمّل كما تريد، مواد أولية، منتجات زراعية، نفط، شاي، قهوة، قطن، منسوجات، مكائن ومعدات. والطريق مفتوح ووسائل النقل متوفرة لكل من يدفع. وكل من يريد النمو والخير لشعبه يفتح سوقه للجميع.
والجميع وقّعوا على وثائق حقوق الإنسان وتقرير المصير واحترام مبادئ الأمم المتحدة ومقرراتها.
وبعد ما مر به العالم، لا سيما الغرب، من مصائب وتضحيات في الحربين العالميتين، ساد شعور عام بعدم المغامرة بدخول أي حرب عالمية ثالثة. وتعمق هذا الشعور بمخاوف استعمال الأسلحة النووية. لم يعد العالم مستعدًا لقبول هتلر جديد.
هذه هي موضة الموسم الذي نعيش فيه. ولكن للاستمرارية زخمها. فما زال بين ساسة العالم من لم يستطع بعد خلع ثياب المواسم الماضية التي بطلت. تراهم هنا وهناك يتشبثون بالقواعد العسكرية والثقل الإمبراطوري. منهم بوتين في روسيا والملالي في إيران. كلهم يستميتون من أجل إقامة قواعد لهم على البحر المتوسط والهيمنة على بقاع مضطربة ستكلفهم مئات المليارات من دون أي مردود محسوس أو حاجة حقيقية لها. نسي الروس درسهم في أفغانستان وتجاهلوا درس الإنجليز في مصر وعدن وكل مكان. وعلى الطرف الآخر، سيعض الملالي أصابعهم ندمًاعندما يراجعون صفحة الربح والخسائر من حساب محاولاتهم للتوسع في المنطقة. تجاهلوا موضة الموسم. لم تعد الشعوب ترضخ لحكم الأجنبي، أو ترى ثرواتها نهبًا للغير. حرامية الدار أولى بها من حرامية الجار. وملالي قم لن ينجحوا في منافسة حرامية ملالي العراق. والسعي للتمدد الإيراني سيلقى نفس مصير سعي الغربيين للتوسع الإمبريالي. كلها موضات بطلت وفات أوانها. العولمة موضة الموسم الاقتصادية، والعلمانية موضة الفكر المعاصر. ويخسر من يتجاهل ذلك.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com