سوريا وروسيا و“عملية صوفيا“ – إرم نيوز‬‎

سوريا وروسيا و“عملية صوفيا“

سوريا وروسيا و“عملية صوفيا“

عثمان ميرغني

كلما طال أمد الأزمة السورية زادت تعقيداتها وتشابكاتها. هذا ما أثبتته الأحداث على مدى أكثر من أربعة أعوام من التردد والتخبط في معالجة الأزمة حتى وصلنا إلى مرحلة اكتظت فيها أجواء سوريا بالمقاتلات التي تنفذ استراتيجيات متضاربة ومتنافسة إلى حد الخطر من احتمال وقوع اشتباك دولي بالصدفة، بينما انتشرت على الأرض فصائل متصارعة تتبنى مشاريع واستراتيجيات مختلفة وتمثل مصالح متباينة. كل ذلك في الوقت الذي بلغت فيه معاناة الشعب السوري حدًا غير مسبوق، وأصبحت قضية الهجرة واللاجئين أزمة موضوعة على رأس قائمة الأولويات الأوروبية.
تغيير روسيا لتكتيكاتها وإعلانها بدء غارات جوية على مواقع «التنظيمات الإرهابية»، أضاف بعدًا جديدًا للأزمة ولتعقيداتها، خصوصًا مع عودة أجواء الحرب الباردة بين موسكو والغرب. فإذا كانت موسكو تدعم في السابق النظام السوري بالخبراء والسلاح وبالفيتو في مجلس الأمن، فإنها الآن توسع دورها العسكري وتعلن بوضوح أهدافًا متضاربة مع الرؤية الغربية للمشكلة والحل في سوريا. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استغل فرصة الحشد الدولي في نيويورك بمناسبة الافتتاح السنوي لأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة لإعلان استراتيجيته ولإبلاغ «خصومه» أن حدود المواجهة والحرب الباردة لا تقف عند حدود أوكرانيا بل تمتد إلى سوريا، وأنه إذا كان الغرب يتحدث عن مصالحه وحلفائه في أوكرانيا، فإن روسيا ستدعم أيضًا حليفها في دمشق وتحالفاتها في المنطقة.
المفارقة أن الحرب على الإرهاب، باتت المظلة التي تقف تحتها استراتيجيات متباينة ومصالح متضاربة. فروسيا على سبيل المثال أعلنت أن الهدف من تدخلها الجوي هو القضاء على التنظيمات الإرهابية، وقالت في الوقت ذاته إنها ترى «دورًا مهمًا» للرئيس السوري بشار الأسد وقواته في محاربة الإرهابيين، مؤكدة بذلك موقفها الرافض لدعوات إطاحة النظام. وعندما انتقدت واشنطن الغارات الروسية وقالت: إن خمسها فقط استهدف مواقع لـ«داعش» بينما استهدف الباقي مواقع لتنظيمات المعارضة الأخرى التي تحارب ضد النظام، ردت موسكو بأنها هاجمت مواقع المتطرفين والإرهابيين وطالبت الغرب بتوضيح ما إذا كان يعتبر تنظيمات مثل جبهة النصرة «معارضة معتدلة». الأمر برمته أثار جدلاً وفتح بابًا للنقاش في الغرب حول تصنيف فصائل المعارضة السورية، كما دفع البعض للتساؤل عن مغزى استهداف «داعش» واستثناء جبهة النصرة مثلاً وغيرها من التنظيمات المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، من الغارات الأميركية في سوريا.
الواقع أن التضارب في الاستراتيجيات والرؤى حول حرب الإرهاب، لا يتوقف عند التباين الغربي – الروسي بل يمتد على مستوى آخر إلى الدور التركي أيضًا في الأزمة السورية. فعندما توصلت تركيا إلى تفاهم مع واشنطن سمحت بمقتضاه للطائرات الأميركية باستخدام قاعدة أنجيرليك العسكرية وبدأت مشاركتها في الغارات الجوية، أثارت بعض الجهات تساؤلات حول ما إذا كانت أنقرة تستخدم الأمر غطاء لمهاجمة مواقع حزب العمال الكردستاني. فتركيا تقول للغربيين إنهم إذا كانوا يحاربون الإرهاب ويريدون دعمها في سوريا، فإنهم يجب أن يؤيدوها أيضًا في حربها ضد الإرهاب، وذلك في إشارة بالطبع إلى حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة منظمة إرهابية.
حتى عندما طرحت حكومة رجب طيب إردوغان اقتراحها لإنشاء «منطقة آمنة» على حدودها مع سوريا تخصص لمعسكرات اللاجئين، أثيرت تساؤلات حول ما إذا كان الدافع الحقيقي هو مساعدة اللاجئين أم إن تركيا تريد حزامًا عازلاً على حدودها للحد من الطموحات القومية للأكراد سواء داخل أراضيها أو قريبًا منها داخل الأراضي السورية.
إردوغان عرض مجددًا اقتراحه بإنشاء «منطقة آمنة» داخل سوريا خلال مباحثاته الأوروبية هذا الأسبوع باعتباره حلاً للأزمة التي تواجهها أوروبا مع ازدياد أعداد اللاجئين والمهاجرين بشكل غير مسبوق. وبينما وجد الاقتراح تأييدًا من فرنسا ودول أوروبية أخرى، عارضته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وحذرت من أنه قد يعرض اللاجئين للخطر مذكرة بمذبحة سربرينيتشا عام 1995 في منطقة يفترض أنها كانت آمنة وتحت الحماية الدولية في البوسنة. لكن صوت ميركل قد لا يكون كافيًا لإقناع قيادات أوروبية أخرى تنظر إلى الأزمة السورية اليوم من منظور مشكلة المهاجرين.. ففي إطار البحث عن أي حلول لتخفيف الضغط عنها، قررت أوروبا هذا الأسبوع بدء عملية أطلقت عليها اسم «عملية صوفيا» للتصدي للقوارب التي تنقل المهاجرين، وتفتيشها في عرض البحر، ثم إعادتها إلى حيث أتت، وكذلك تكثيف الجهود لمحاربة المهربين بمصادرة قواربهم واعتقال أطقمها.
«عملية صوفيا» لن تحل الأزمة، وكذلك الأمر بالنسبة للمنطقة الآمنة المقترحة، لأنه مع استمرار التصعيد على الأرض، وتفاقم المعاناة الإنسانية، وتضارب الاستراتيجيات، وصراع المصالح، سيستمر تدفق اللاجئين. فالأزمة السورية لا تحتاج حلولاً جزئية؛ بل تتطلب حلاً شاملاً يبدو صعب المنال، اللهم إلا إذا أدت الضغوط إلى تغيير في الاستراتيجيات وفي الرؤى بما يسمح بتفاهم أو صيغة حل تحت مظلة مؤتمر دولي جديد.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com