سوريا.. حل يأبى أن يأتي

سوريا.. حل يأبى أن يأتي

عثمان ميرغني

طغت الأزمة السورية على «مهرجان» الافتتاح السنوي لأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكانت موضوعًا أساسيًا في لقاء نيويورك بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، مما فتح باب التكهنات والتحليلات حول فرص التوصل إلى توافق دولي على حل للأزمة. المصادر الأميركية قالت إن الأزمة السورية استنفدت نصف وقت الاجتماع المغلق بين الرئيسين، بينما ذهب النصف الثاني تقريبًا للتطورات في أوكرانيا. أما الجانب الروسي، فاكتفى بالقول إن الاجتماع كان شفافًا وصريحًا.
إذا كان العالم لم يعرف ما دار بالتفصيل في ذلك الاجتماع المغلق، فإنه تفرج على المبارزة العلنية بين أوباما وبوتين من على منصة الأمم المتحدة حول الموضوع السوري، وتحديدًا حول مستقبل بشار الأسد، ودوره في أي مرحلة انتقالية. فالرئيس الأميركي فتح الباب للتعاون مع روسيا وإيران لحل الأزمة، لكنه قال إنه بعد كل الدماء والدمار «لا يمكن العودة إلى أوضاع ما قبل الحرب». أما الرئيس الروسي، فقد هاجم الاستراتيجية الغربية، واعتبرها مسؤولة عن الفوضى في العراق وليبيا، وبالتالي عن تنامي حركات التطرف والإرهاب. وتمسك بوتين بدور للأسد في أي حل، وقال إن رفض التعاون معه يعتبر خطأ فادحًا، «لأن قواته هي التي تقاتل الإرهابيين وجهًا لوجه»، على حد تعبيره.
هذا التباين الحاد في المواقف صب ماء باردًا على التكهنات التي دارت خلال الفترة القليلة الماضية، عن إمكانية التوصل إلى توافق دولي على حل في سوريا. فالواضح الآن أنه إضافة إلى الخلاف الأميركي – الروسي حول دور ومستقبل الأسد، لا توجد في الواقع أي مبادرة واضحة أو خريطة طريق متفق عليها لحل الأزمة. الأمر الوحيد الذي تبدو كل الأطراف متفقة بشأنه هو التعاون لمحاربة الإرهاب وللقضاء على «داعش» ودولته الإسلامية المزعومة، لكن حتى تحت هذا العنوان العريض توجد تباينات حول الأهداف والتفاصيل والاستراتيجيات. فروسيا مثلاً تطالب بالتعاون مع نظام الأسد وتقوية جيشه لمحاربة «داعش»، بينما الغرب يرفض ذلك ويتمسك بدعم «المعارضة المعتدلة». في جانب آخر، تربط تركيا محاربة «داعش» باستراتيجيتها لعزل وضرب حزب العمال الكردستاني، وتنظر بقلق إلى أي تسليح لأكراد سوريا.
الموضوع ازداد تعقيدًا بعد قيام عدد من المعارضين الذين دربتهم أميركا بتسليم أسلحتهم إلى تنظيمات متطرفة، بينما انضم آخرون إلى جبهة النصرة. هذا الأمر عزز موقف المتشككين والمنتقدين لسياسة إدارة أوباما إزاء الأزمة السورية، خصوصًا أن أوساطًا عسكرية واستخباراتية كانت قد سربت للإعلام منذ العام الماضي تخوفها من احتمال انضمام عناصر سورية ممن تدربهم أميركا إلى تنظيمات متطرفة. وإذا كانت الإدارة الأميركية مترددة في السابق إزاء كيفية معالجة الأزمة السورية، فإنها تبدو الآن حائرة تمامًا إزاء خطواتها المقبلة.
الواقع أن أوباما الذي جعل سحب القوات الأميركية من العراق وأفغانستان أحد أهداف سياسته الخارجية، رفض منذ البداية فكرة التدخل الأميركي في سوريا، مكتفيًا بالتصريحات المتشددة ضد النظام السوري والمشاركة في المؤتمرات الدولية بشأن الأزمة. وحتى بعد الفظاعات التي ارتكبها «داعش» لم تتدخل أميركا إلا في حدود تعاون دولي لشن حرب جوية على التنظيم، ثم قبلت تحت ضغط حلفائها في المنطقة ببدء برنامج تدريب قوات من المعارضة المعتدلة، لكنها بقيت متشككة إزاء أي دعم يصل إلى الجماعات المتطرفة التي تقاتل ضد نظام الأسد.
أوروبا في الجانب المقابل، ترى الأزمة السورية من منظور البعد الأمني، ومن واقع قضية اللاجئين والمهاجرين الذين يطرقون أبوابها بأعداد متزايدة. فبينما تبدي الحكومات الأوروبية قلقها من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لقضية الهجرة، تنشغل الأجهزة الأمنية الأوروبية بمتابعة ورصد الأوروبيين الذين توجهوا للقتال في صفوف «داعش» وجبهة النصرة، وتبدي مخاوفها من تسلل عناصر منتمية إلى «القاعدة» أو «داعش» وسط اللاجئين والمهاجرين. من هذا المنطلق تتزايد الدعوات لوقف تدفق المهاجرين إما بتكثيف الجهود لإيجاد حل للأزمة السورية، أو بمساعدة اللاجئين في مناطق وجودهم ومخيماتهم، والتصدي للمهربين الذين يستغلون الأزمات سواء في سوريا والعراق وليبيا أو في أفغانستان والصومال والسودان للدفع بشحنات بشرية نحو أوروبا. بالتزامن مع ذلك، ظهرت تحولات في مواقف بعض الحكومات الأوروبية مثل الحكومة البريطانية التي أعلنت أنها يمكن أن تقبل دورًا لبشار الأسد في ترتيبات المرحلة الانتقالية المفترضة في إطار أي حل قد يتبلور.
الكلام قد يكون كثيرًا هذه الأيام عن الأزمة السورية، لكن الواقع أنه ليس ثمة ما يدعو إلى التفاؤل بأن هناك حلاً يتبلور، فمثل هذا الحل يتطلب توافقًا إقليميًا غير موجود، وتفاهمًا دوليًا يبدو صعب المنال في ظل التباين الشديد بين واشنطن وموسكو وعودة أجواء الحرب الباردة بينهما. أما الشعب السوري الذي طالت معاناته، فقد كتب عليه الانتظار، ولا أحد يستطيع أن يقول إلى متى.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com