الغيب والحجب والمظنون وكاشفوه

الغيب والحجب والمظنون وكاشفوه

سمير عطا الله

ينقسم قارئو الطالع وكاشفو المحجوب وعالمو الغيب في لبنان، أقسامًا شتّى: الأول سنوي، يقرأ للناس أحداث بلدهم خلال العام التالي. الثاني نصف سنوي. والثالث شهري، محكوم «بسنة الكبيس» كل أربع سنين، أي كلما تجاوز فبراير (شباط) نفسه بيوم واحد، ممسيا في الثامن والعشرين، مصبحًا في التاسع والعشرين منه. كل عام وأنتم بخير. والفئة الشهرية من قارئات البخت لها نسبة أكبر من المشاهدين، لكن ليس من الضروري أبدًا أن تكون لها النسبة نفسها من صحيح العرافة، طيرة أو فرحًا. والحقيقة أنك إذا أردت أن تحصي ماذا تحقق وماذا بقي غيبًا حتى الشهر التالي، فسوف تضيع. ولكل بخّات أو بخّاتة، دفتر له حواشٍ وهوامش: تحقق/ لم يتحقق/ لم يتحقق بعد.
لا يكشف العرافون اللبنانيون أسرار قواهم الخارقة. ولا تقتصر التنبؤات على الشؤون المحلية، بل تشمل انتخابات الرئاسة الأميركية، وميزان الزلازل في اليابان، ومعدلات الحرائق في كاليفورنيا. كلّه. كلّه. وهناك من يقرأ حركة النجوم والكواكب. طبعًا المكتشف منها، وليس المظنون. وقد ورث هذا الفريق علامة الغيبية عن الكلدانيين الذين كانوا يسهرون في سهول العراق تحت سماء صافية مكتظّة بالنجوم، فيحصونها ويراقبون وهجها، وإذا هوى أحدها فيما غرَّد طير في حديقة مجاورة، أو عوى ثعلب جائع طلبًا لعنقود من العنب (طبيعي، «بيو»، غير مرشوش)، عنى ذلك أن موسم الأمطار شحيح في الخريف التالي. أو الذي بعده.
في قرى لبنان يتخذ الشهاب المتساقط معنى آخر: إذا أشرت بإصبعك إليه وأحصيت النجوم من حوله، سوف تظهر على يديك في اليوم التالي «ثواليل» بالعدد نفسه. ما العلاقة بينك وبين نجم يبعد عشرين مليار ميل؟ حاول أن تفهم. إنها حركة الكواكب التي ولد تحتها الإنسان. لكن ماذا عن ملايين المجرّات التي لم يولد تحتها أحد؟ تصطفل. ليس ذلك مهمًا. فلتبحث لنفسها عن مواليد.
وضع «شيشرون»، خطيب روما وفيلسوفها قبل أكثر من ألفي عام، كتابًا عن «علم الغيب» في العصور القديمة. فإذا كان هو يبدو لنا قديمًا اليوم، فكم كان قديمًا العالم الذي تحدث عنه؟
لكن اللبنانيين – وسواهم – يتجمعون كل سنة وكل نصف سنة وكل شهر لكي تبلغهم عرافة بأحداثهم وأحداث العالم، وزيجات كيم كارديشيان، وزلازل كيتو (اليابان). الباقي من شؤون الأرض ليس ضمن مسؤولياتها. ليس دائمًا.
أكثر المشهورين اعتقادًا بإشارات الطيرة كان غابرييل غارسيا ماركيز. لكنه كان يتفاءل بالرقم 13 والمرور تحت سلم ومشاهدة قطة سوداء. ثمة جانب صغير في كل عقل.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com