الهوس والواقع – إرم نيوز‬‎

الهوس والواقع

الهوس والواقع

سمير عطا الله

هل يجب أن نحب الحاكم أم أن نقدره؟ سحرتني الكتب التي قرأتها عن إيفا بيرون، والمسرحيات التي شاهدتها عنها. كانت أسطورية الجمال وأسطورية الحضور وأسطورية في مساعدة فقراء الأرجنتين، يوم كان زوجها، الجنرال خوان بيرون، حاكمًا. وأحب أهل الأرجنتين الجنرال أيضًا. لقد قدَّم قضاياهم وألهب مشاعرهم وحارب التدخل الخارجي في شؤونهم وقاتل من أجل كراماتهم.
وفي فنزويلا الحديثة، أعاد هوغو شافيز إلى أذهان مواطنيه صورة محررهم، وبطل أميركا اللاتينية سيمون بوليفار. ولن تجد تمثالاً لبوليفار في ساحات كاراكاس فقط، بل في قلب سنترال بارك في نيويورك. يقال: إن فنزويلا صاحبة أكبر مخزون نفطي في العالم. ويقال: إنه العراق. أعطى هوغو الموازنات للفقراء ووقف مع فيدل كاسترو وأقام صداقة مع محمود أحمدي نجاد، الذي كان هو وبشار الأسد وإميل لحود من أصدقائه: الممانعة الكونية.
ترك خوان بيرون للأرجنتين إرثًا سمي البيرونية. ستة عقود من التأزم والفوضى والعوز في أغنى بلدان الأرض بالثروات الطبيعية. وفنزويلا اليوم غارقة في كارثة اقتصادية، ومدنها تعاني من أعلى نسبة جرائم في العالم. لم يكن ينقص العقيد بيرون والمقدم شافيز أي شعور بالصدق والحماس. لكن النقص كان هائلاً في المعرفة والشعور بالمسؤولية.
من أجل أن تحصل على المال للفقراء يجب أن تحصل عليه من الأغنياء. المعدم لا يستطيع أن يساعد المعوز. معدم ومعوز يشكلان قضية إنسانية، لكنهما لا يشكلان رغيفًا ولا دواء ولا ثوبًا. هناك حل وسط بين القضاء على الثروات واستغلالها لصالح العموم. حولت التأميمات في مصر وسوريا أكبر المصانع إلى حديد صدئ، فافتقر صاحبها ولكن أيضًا افتقر عاملها. لي كوان يو رفع العامل إلى شريك يتلقى أكبر أجر لأمثاله في العالم. لم يلقِ خطابًا واحدًا ولم يلهب الجماهير، ولم يرفع يديه بيدي الثوري الكبير محمود أحمدي نجاد.
تصرف اليساري «لولا» في البرازيل بالوقوف إلى جانب الناس، ولكن ليس ضد منطق الاقتصاد ودورة الحياة. وهذا «المنطق» هو الذي غير حياة مليار صيني بعد كتاب ماو الأحمر وقصائده التي شغفت اليساريين العرب يوم هتفوا لتعاليم الرفيق فلاديمير ايليتش في لحج ونواحيها.
لا تزال إيفا بيرون، وقد تبقى، أهم امرأة في تاريخ الأرجنتين، وربما في تاريخ القارة الجنوبية. حياة أسطورية وموت أسطوري وأسطورة ما بعد الموت. لكن المصنع والمشغل والمخبز والمدرسة والجامعة والمختبر، لا تقر بالأسطورة. للأسف، هناك أنظمة من عمر التاريخ لا نستطيع الخروج منها. نستطيع أن نطورها من أجل أن نخفض أحجام البؤس البشري. أسطورية هي أيضا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com