أعطوها نوبل للسلام

أعطوها نوبل للسلام

سمير عطا الله

كان افتتاح الشق الثاني من قناة السويس عملاً لا يصدق. أعترف أنني بين الذين فوجئوا. عندما أعلن عن شق القناة الجديدة قبل عام، اعتقدت أن المشروع لن يكتمل قبل سنوات. لكن كما يفعل الكوريون الجنوبيون عمل المصريون على مدى 24 ساعة، واختصروا ثلاث سنوات، وأفقنا، فإذا بسفن في حجم الجبال تعبر قناة السويس في الاتجاه الآخر.
لنعترف جميعًا أنه لم تكن لدينا ثقة كاملة بالمصريين بعد كل السنوات الماضية: البطالة والعشوائيات، والسكن في المقابر، والسهر والنوم في الميادين، والضياع الذي أدّى إلى 25 يناير (كانون الثاني)، و25 يناير والضياع الذي أدت إليه، والرئيس مرسي خلف مكتبه، يستقبل رئيس وزرائه هشام قنديل أمام مكتبه، من أجل أن يعطيه توجيهات في تأمين السولار؟
وإذا برئيس يكلف حكومته شق قناة جديدة في البحر الأحمر خلال عام. ونعتذر من المصريين الذين أسأنا بهم الظن. نعتذر لأننا لم نتذكر أنهم بنوا الأهرام، وأقاموا وادي الملوك، ووزعوا النيل على الصحراء، وفقدوا 120 ألف عامل في شق قناة السويس الأولى. ولم نتذكر أنهم بنوا الإسكندرية ومنارتها ومكتبتها. وبنوا القاهرة والأزهر.
لكن القناة الثانية تحمّل المصريين مسؤولية كبرى. إنهم قادرون على دخول عصر الاقتصاد والإنتاج والازدهار بلا تباطؤ. وقادرون على طرد أشباح «النق» واليأس والخرافات والتخلف الاجتماعي. وقادرون على رمي السفسطة والتزوير وخطاب الدجل الإعلامي الساقط والمهين من أجل أن يبنوا كل عام قناة أخرى. في الصناعة وفي الزراعة وفي التعليم وفي الاقتصاد وفي العمران وفي إخراج عشرات الآلاف إلى بيوت الأحياء.
كانت قد طمرت أخبار التخلّف الأمة كلها. وبلغت الإحصاءات نسبًا مريعة في الفقر والمرض والموت. وكدنا نستسلم بأننا شعب لا يجيد سوى التدمير والتخريب والسير في جنازته. لكن قناة سويس ثانية في أقل من عام رقم قياسي خارج كل التشاؤم والتفاؤل. تحية إلى كل مهندس مدني وبحري ومسّاح وغواص وعامل ومراقب وبائع سندوتشات ومحاسب وناطور، شارك في هذا العمل.
نتمنى لمصر الحديثة أن تضع نفسها على خطى الصين والهند في الصناعة والتقدم ومحاربة الفقر والأمية. في الماضي كانت شريكتهما في السياسة وفي الحياد الإيجابي، وكانت تلك كتلة من زعماء كبار وشعوب فقيرة. تغير الزمان. هذا عصر القوى الكفية والمكتفية. عصر العلم الذي يشق قناة موازية في أقل من عام من دون حادث واحد. فتحت مصر قناة أخرى بين شعوب العالم. أعطوها نوبل للسلام.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com