في مصر دولة عميقة وشعب عميق

في مصر دولة عميقة وشعب عميق

زياد الدريس

تكتظ شوارع القاهرة كل ليلة بالسهّارة والزمّارة، حتى ساعات متقدمة من الصباح، وليس ساعات متأخرة من الليل كما في المدن الأخرى. ظننت أن ذلك لأجل ليالي العيد، لكن تبين لي لاحقاً أن القاهرة تعيش كل ليلة كأنها ليلة العيد!

سألتني ابنتي، حين رأت المزامير والرقص والأهازيج في الشوارع وعلى الأرصفة: يمكن فيه مباراة كرة قدم اليوم؟ قلت لها: نعم، فمصر تخوض نهار كل يوم مباراة بين الفقر والغنى، في نهاية اليوم يفوز الفقر طبعاً فتخرج جماهيره العريضة في الشوارع كل مساء تحتفل فرحةً، لا بفوزها على الغنى بل بفوزها على البؤس، فالانتصار على البؤس أهم من الانتصار على الفقر!

هذه الزيارة الأولى لي إلى القاهرة من بعد الثورة والثورة المضادة (أو «الانقلاب»، أيّاً كان المسمى، فحديثي هنا ليس عن السياسة). قالوا إن مصر تغيرت بعد تلك التلبكات السياسية، فجئت لمشاهدة مصر «المتغيّرة» إذ أعرفها منذ 45 عاماً ولا أذكر أنها سبق أن تغيرت رغم حرب العام 1973 و «كامب ديفيد» وحادث المنصة والمباراة مع منتخب الجزائر والاشتباك مع قناة «الجزيرة» وانتحار سعاد حسني. ولو كان شيئاً سيغيرها لغيّرتها الأحداث الثلاثة الأخيرة أكثر من الثلاثة الأولى!

جئت لمشاهدة مصر «المتغيّرة» من بعد الثورة، فوجدتها لم تتغير. هي نفسها مصر التي لا تتغير، لا إلى الأحسن ولا إلى الأسوأ، فهي لو تغيرت إلى الأسوأ فهذا يعني فقدانها بعض محاسنها الجميلة، ولو تغيّرت إلى الأحسن فسنفتقد بعض مساوئها الجميلة.

في التجوال مع ابن أخي عبدالله المهووس بمصر القديمة تيقنت أكثر بأن مصر منيعة على التغيير، ولو صدر فرمان دولي يلزم العالم كله بالتغيّر فوراً لكانت مصر آخر دولة تستجيب، إن استجابت لذلك.

على ضفاف النيل مرّ إلى جوارنا قارب سكني صغير، الأم في حوضه تطبخ الغداء للصغار الذين يتقافزون على أطرافه، والأب يجدّف باتجاه الجهات الأربع، والفرش والمواعين في التجويف الذي يتحول إلى «غرفة نوم» ليلاً. هذه العائلة المصرية التي سكنت الماء منذ خمسة آلاف سنة هرباً من بطش فرعون على اليابسة لا تعلم من هو فرعون مصر الآن: أخناتون أم رمسيس أم مبارك أم مرسي أم السيسي! ولا يهمها أن تعرف فكلهم عندها سواسية، إذ لم يتغير شيء في نمط معيشتها ومستوى قاربها منذ الفرعون الأول حتى الفرعون الأخير.

سألت نادل المقهى في حي الحسين: «كيف الأحوال مع السيسي الآن؟!»، أجابني من دون تحضير إجابة : «يا سلاااام، ده رجّع لنا مصر». قلت: «إذاً أنت كنت مش مبسوط مع مرسي؟»، قال: «لا بالعكس. ده كان راجل طيب وبتاع ربنا وعايز يشتغل ويغيّر». قلت: «إذاً أنت كنت مع تغيير مبارك وبس سواءً جاء مرسي أو السيسي؟»، قال: «لا أبداً. أنا كنت بحبّ مبارك وما شفناش منه غير الخير!». لم أُرد أن أشغله عن زبائنه بإكمال السؤال عن رأيه في الرؤساء والملوك والفراعنة السابقين، لأنني بتُّ أستطيع تخمين إجابته.

صاحب القارب لا يعرف من الذي يحكم البلد، وصاحب المقهى لا يعرف كيف يُحكم البلد، وصاحب البلد لا يعرف كيف يعيش صاحب القارب وصاحب المقهى.

في نشرات الأخبار يقولون لك إن «الدولة العميقة» هي التي تدير مصر. في الشوارع والمراكب والحناطير ستدرك أن الدولة العميقة تدير الحكومة، والشعب العميق هو الذي يدير البلد.

هنا القاهرة. المدينة التي لا يتغير فيها سوى فرعونها!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com