وحوش الدين والدنيا

وحوش الدين والدنيا

زياد الدريس

عند دخول شهر رمضان، الذي يوشك على الخروج الآن، أرسل إليّ صديقٌ عزيز هدية رمضانية (سجادة صلاة) من نوع مختلف!

فتحتها فإذا هي تكاد تمتص أقدام من يقف عليها من فرط نعومتها وطراوتها. قال لي خالد، بلطفه المعهود: هذه سجادة ليّنة تعينك على قيام الليل. أجبته ممازحاً: فرط نعومتها قد يعين على نيام الليل!

قادتني هذه السجادة إلى التأمل في العلاقة بين العبادة والترف.

ارتبط في التصور الإنساني الأزلي ثبات العلاقة الطردية بين التقشف وصدق التعبّد، والعلاقة العكسية بين الأخير والتنعّم.

وليس من تفسير لهذا الانطباع العام سوى أن التنعّم هو ارتباطٌ بالأرض ونواتجها وملذاتها، فيما التعبّد هو ارتباط بالسماء ووعودها ووعيدها… فكيف يجتمعان؟!

من نواتج هذه الرؤية المتوارثة تتولد تصورات عديدة تؤثر في سيكولوجية وسوسيولوجية الإنسان، منها تقرّبه وانجذابه إلى الفقراء والزهاد حين يكون في طوره التَقَوي / الأخروي، في حين يتقرّب إلى الأغنياء والوجهاء حين يكون في طوره المعيشي / الدنيوي. ما يعني أن في داخل كلٍّ منا إنسانين: أرضي وسماوي.

يحدث الارتباك والخلل في الفرد وبالتالي في المجتمع حين تطغى الكينونة الأرضية على السماوية، فيتحول الإنسان إلى وحش تمنعه أثقاله من الصعود إلى السماء في جزء من وقته اليومي، أو حين يظن أن كينونته السماوية يمكن أن تطمس الكينونة الأرضية الفطرية فيه، وهي حتماً غير قادرة على فعل ذلك كاملاً مهما خفّفتها، فيصبح درويشاً عاطلاً غير مفيد في عمارة الأرض المتناسقة مع السماء.

بين الوحوش والدراويش يتفاقم الصراع المفتعل بين السماء والأرض… والتعبّد والتنعّم… والعابد والعامل، فتصبح هذه الثنائيات متناقضة بعد أن كانت قابلة للتناغم لو أحسنّا فيها التقاسم والتوازن.

لم يُخلق الإنسان ليكون كائناً سماوياً صرفاً يزاحم الملائكة في خصائصهم، كما لم يُخلق ليكون كائناً أرضياً صلداً يزاحم الوحوش في خصائصهم. بل خُلق ليكون بين هذا وذاك. والحروب التي تدور في الكون منذ الأزل حتى اليوم لا يقف خلفها ويشعلها سوى الوحوش باسم الدنيا والدراويش الذين يتحولون إلى وحوش باسم الدين.

كَوْننا هذا لا يعمره، بإنسانيةٍ صادقة، إلا من عرف كيف يزن نفسه بين كينونتيه السماوية والأرضية.

قال تعالى: «ولا تنس نصيبك من الدنيا»، وهي موعظة إرشادية للطرفين النقيضين: لا تجعل الدنيا هي كل همك بل اهتم لك منها بنصيب، لكن أيضاً لا تهملها بالكلية حتى لا تجعل لك منها أي نصيب!

وفي استدلال رباني بيّنٌ للجمع بين ما نظنه من النقائض، يقول لنا الله تعالى: «وخذوا زينتكم عند كل مسجد»، فالزينة وسيلة للتنعم الدنيوي والمسجد وسيلة للتعبد الأخروي، ورغم هذا سمح المشرّع عز وجل بالجمع بينهما ليدلّ الإنسان على إمكان الجمع بين الكينونتين عندما يتم استحضار التوازن والاعتدال بينهما.

كل عام وأنتم بخير… دنيا وآخرة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com