الطبول الرمضانية

الطبول الرمضانية

خالد القشطيني

الإعلان عن موعد الإفطار وموعد السحور ثم الإمساك مشكلة معروفة في سائر الدول الإسلامية، ولا سيما بسبب التقويم القمري الذي يؤدي إلى تفاوت طول النهار والليل ووقت شروق الشمس وغروبها من سنة إلى أخرى ومن شهر إلى آخر. وقد عمدت سائر هذه المجتمعات إلى وسائل مختلفة للإعلان عن ذلك؛ ففي القرى والبلدات الصغيرة يعتمد السكان على الأذان من المسجد. فحالما يسمعون الأذان لصلاة المغرب «الله أكبر، الله أكبر»، يدركون أن موعد الإفطار قد حلَّ. ويتولى المؤذن أيضًا مهمة إيقاظهم من النوم استعدادًا للسحور ثم الإمساك بالنداء المباشر. «سحور! سحور يرحمكم الله».
ولكنّ المدن الكبرى احتاجت لما هو أكثر وأقوى سماعًا من صوت المؤذن فتبنوا فكرة التنبيه بضرب الطبول من قبل طبالين يطوفون في الأحياء شارعًا فشارعًا بنغمة معروفة ومقررة ما زالت تتردد في ذهني. وهذه عادة قديمة كما نستشف مما كتبه ابن بطوطة عند زيارته للبيت الحرام في شهر الصيام فكتب يصف ما وجده في مكة المكرمة حيث قال:
«إذا هلَّ رمضان تضرب الطبول عند أمير مكة ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعل حتى يتلألأ الحرم نورًا.. وإذا كان وقت السحور يتولى المؤذن الزمزمي التسحير في الصومعة التي بالركن الشرقي من الحرم، فيقوم داعيًا ومذكرًا ومحرضًا على السحور».
ولكنني كنت أشعر بالألم تجاه الطبالين فسألت والدتي، رحمها الله، متى يستطيع أهل الطبول أن يتناولوا سحورهم؟ قالت إنهم لا يحتاجون إلى سحور. فببركة ما يقومون به من خدمة للمسلمين في هذا الشهر المجيد يغنيهم الله تعالى عن الحاجة للأكل. بيد أنني اكتشفت فيما بعد أن كثيرًا من العوائل كانت تقدم لهم أثناء سيرهم ما تيسر من الكباب أو الكبة، ونحو ذلك من لذائذ الطعام فيشاركون المتسحرين في سحورهم شاكرين.
في آخر يوم من أيام رمضان ونحن نقترب منه، يتحول الطبالون من التطبيل ليلاً إلى التطبيل نهارًا، يبشرون الصائمين بحلول العيد وانتهاء الصيام، وعندئذ يكافئهم الناس بالهدايا والعطايا النقدية كجزء من فطرة العيد وتقديرًا لخدماتهم.
بيد أن العثمانيين أدخلوا تقليدا آخر، وهو إطلاق طلقة مدفع عند الفطور وطلقة ثانية عند السحور وطلقة ثالثة عند الإمساك. استمر هذا التقليد ليومنا هذا. وغالبًا ما أثارت طلقة السحور بعض البلبلة، هل كان ما سمعناه طلقة سحور أم طلقة إمساك؟
من نوادر هذا التقليد أن الأوامر كانت تفرض على الجنود الطوبجية أن يبادروا إلى أداء صلاة الفجر بعد الإطلاق. وكثيرًا ما كان هذا الواجب يفاجئهم وهم متعبون أو مشغولون بشؤون الحرب والقتال فيؤدون الصلاة دون وضوء؛ فجرى المَثَل القائل: «مثل صلاة الطوبجية، بلا وضو بلا نية!».
كثيرًا ما استغربت من إخواني الذين يغادرون لندن ويعودون إلى بلدهم لشهر رمضان. ولكنني فهمت ذلك الآن. فالصوم في أوروبا مثل صلاة الطوبجية. من دون طبول ودون طوب ودون مؤذن ينادي. رمضان من دون تقاليده ليس له طعم رمضان في بلادنا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com