الوجه الآخر للشمس

الوجه الآخر للشمس

سمير عطا الله

يتكرر المشهد كل صيف: أهالي المناطق الحارة يأتون إلى الجزء المعتدل من أوروبا، وأهالي الشتاء الأوروبي الطويل يخرجون في أثر الشمس والضوء والبحر والمقاهي التي لا سقف لها.

أهل الصحراء يحبّون القمر ويأنسون إلى نوره الرخيم، ويشبِّهون الجمال به والصبا، ويسافرون في ضوئه ولطافة برودته، وأهل البلاد الباردة يسافرون إلى الشمس ويتدفأون بحرارتها ويبتعدون بها عن أمطارهم. وإذا ما اختلَّت حرارة المناخ وحرارة الجسد وأصابهم الزكام، قالوا: «أصابني البرد».

في شبابنا، كانت كل الأغنيات الفرحة في السينما للبلاد الدافئة: البرازيل، إسبانيا، المكسيك. وكذلك المسرحيات الغنائية. مسرحية أوكلاهوما تبدأ برجل ريفي يستقبل الشمس مغنيًا «آهٍ لهُ من يوم جميل».

وكان شارل ازنافور يعزي البؤساء مغنيًا «الفقر أقل وجعًا في الشمس». رغم جمال السويد والدنمارك والنرويج، لم يغنِ لها أحد. والشقراوات يحرقن بشرتهنَّ في الشمس من أجل شيء من السمرة. وفيما تُروى النكات عن سذاجة الشقراوات في الغرب، تُغنى للسمراوات الأغاني.

الإنسان الغربي في حال حرب دائمة مع الصقيع. يجرف الثلوج من أمام منزله كل يوم، يسد شقوق الجدران، يجرف الثلج المكدس على زجاج سيارته، يجاهد لكي يشعل محركها، يمضي أشهر الشتاء الطويلة في انتظار شيء واحد، الوجه الآخر للشمس، أي الوجه الدافئ، لأنها في البلدان الشديدة البرودة تُشرق هي أيضًا باردة ومستسلمة «للظروف».

ليس هناك في البلاد الدافئة شيء يدعى «غرفة المعاطف»، الموجودة في كل مسرح، أو مطعم، أو مقر اجتماعات في البلدان الباردة. وقبل ظهور التدفئة المركزية في لبنان، كانت كثير من الكتابات تدور على «تجمع العائلة حول الموقد»، والموقد كان في صحن الدار إلى جانب «غرفة الشتاء».

أما الصيف، فليس له غرفة. كل البيت بيته. والشرفة والحديقة والساحة وطريق العين. وعندما كان يشارف على الانتهاء والانصراف، تاركًا خلفه أوراق الشجر تصفرُّ وتتساقط، كانت النسوة تستعد لأيام الانغلاق وهي تردد ”لو كان للصيف أم لبكت عليه“.

الصيف فصل الذكريات. إنها لا تزهر ولا تظهر ولا تزهو في الشتاء. تطول فيه النهارات وتقصر الليالي التي يكبر قمرها ويسري من دون غيوم وعوائق ومضايقات. مثل شاعر هائم يسري، أو مثل حصان أبيض عزته في عنقه المزيَّن بخصلة لا تنتهي من الشَعر.

للفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد كتاب عنوانه «إما هذا أو ذاك». أنا مع هذا. قمره وشمسه. وشكرًا لأي نسمة هنا أو هناك. أما العواصف والظلام والريح، فجميلة في الكتب. فقط في الكتب.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com