ماذا نفعل وماذا فعلنا؟

ماذا نفعل وماذا فعلنا؟

سمير عطا الله

طرح في الدور والمجالس والمحافل اليوم سؤال ملهوف واحد: ماذا نستطيع أن نفعل؟ المتشائمون من أمثالي يقولون في الجواب، لقد تأخرنا طويلاً وكثيرًا. هذا سؤال كان على المؤسسات أن تطرحه منذ زمن بعيد. المؤسسات بجميع فروعها وطبقاتها ومسؤولياتها، لأنها من المفترض أن ترى أبعد مما نرى، أنت أو أنا. فأنت وأنا، أفراد نصرِّف شؤون النهار وقضايا العائلة ومتاعب اليوم، وتركنا لها أن تستشرف آفاقنا وتخطط لمستقبلنا وتحرس الجسم الوطني والقومي من الأوبئة والعلل.
العلل تضرب الجسم الضعيف، والوباء يتسلل في الإهمال والفراغ وثقافة التكايا. ما نراه من ظواهر كارثية سببه ارتضاء العلل والصمت عنها. والجحافل لها طريق واحد مهما تنوَّعت منابعها. ترتضي الاستبداد الصغير فيدهمك الاستبداد الكبير. تصفق للخنوع فتطحنك العبودية. تقبل الذل فتطاردك المهانة. ثم يتجمع كل شيء في سيل جارف من الفظاعات. ترى ما ترى فلا تصدِّق. لم يعد خداع النفس ممكنًا. والذين كانوا يقولون لك إن قول الحقيقة هو «جلد للذات»، لا يدركون أنه لم يبق من الذات شيء. فما هي الذات من دون كرامة وأمل وحياة؟
غفلت المؤسسات عن دبيب النمل المجنون. لم تلحظ أن الأمة انتقلت من ثرثرات المقاهي إلى همهمات السحر، من دون المرور بمرحلة الفكر والصناعة والعلوم. لم تلحظ أننا لا نزال نفاخر بالخوارزمي وابن سينا، فيما انتقل العالم من زراعة القلب إلى زراعة اليد، ومنها الآن، إلى زراعة فروة الرأس، ومنها إلى زراعة قلب صناعي مصنوع مما لا أدري أي بلاستيك أو حديد.
ونحن نخاطب جماهير الهتّافين بالأفيون الممل: «يا شعبنا العظيم».. أين هي عظمته؟ في نسبة الأميَّة؟ في نسبة البطالة؟ في نسبة الهجرة أو التهجير، أو التشرُّد، أو الموت في حروب التوحش والعبث؟ في عدد أطفال الشوارع؟ كان يجب أن نصارحه بأن التراضي مع الذل والجهل سوف يؤدّي إلى خراب وحشي، وأن عليه أن يتعلم معنى المواطن لكي يعرف ما هو معنى الوطن، وأن يعرف أن تفسير القانون ليس السجن، بل الحماية، وأن المخابرات ليست القمع، ولا التعذيب، بل الحراسة والأمان، وأن الجيش ليس الحكم، بل حماية الدولة والوطن والحكم والناس والأرض، وليس الاستيلاء عليها.
كان على المؤسسات أن تدرك أن أول ما يفعله التوحُّش النامي في الظلام هو الانقضاض عليها، لأنها ما نقبضه. الشطط لا يمكن أن يعيش في الضوء. الاستبداد لا يعيش في النور. المعرفة لا تنمو في العتمة. لذلك، أمضى أجدادنا حياتهم يقرأون على ضوء قنديل شاحب. لأن أوقات النهار لم تكن كافية لتحصيل ما يكفي منها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع