العضّاضات والخنّاقات

العضّاضات والخنّاقات

مشاري الزايدي

هناك دومًا في التاريخ جرائم قتل مجهولة، وجماعات محترفة للاغتيالات الخفية، وأحيانا بطرق محددة للقتل، انطلاقا من معتقدات وأساطير معينة. حدث ذلك في القديم، ويحدث حتى اليوم، شخص أو جماعة ما يتملكها الهوس بفكرة ما، وترى استباحة حياة كل من هو خارج هذه الفكرة. خطورة الأمر ليست أن تكون هذه الجماعة ظاهرة شاهرة، تقاتل علنًا، بل في أن تكون هذه المجموعات متخفية بين الناس، تحاكيهم، وتجاريهم، وكأنها جزء منهم، بينما هي تبطن نيات أخرى، وتنسق فيما بينها، وتملك نظام تواصل خاصًا بها. ثقافات ومجتمعات عانت من هذه الجماعات الشيطانية، في أوروبا وآسيا وغيرها، من شاهد فيلم «شفرة دافنشي» المأخوذ من رواية دان براون، طالع جانبًا من قصص مهاويس الاستقامة المسيحية السرية في القتل السري للخصوم.
هذه الأيام قرأت خبرًا عن الذعر الذي أصاب نساء قضاء الحويجة في العراق، بسبب توحش نساء داعش «المحتسبات» وقد تفتق إبداعهن عن حيلة جديدة للردع، وهي العض بشراسة، لكل امرأة لا ترضى عنها سلطة «داعش»، وينقضضن بشكل صاعق سريع مباغت. هذا نشاط علني لعضاضات «داعش»، ليس سريًا كما أسلفنا، بسبب هيمنة «داعش» على سلطة الحويجة، ولكنه يذكرنا بسلوك نساء قديمًا في تاريخنا المحلي، حيث احترفت نسوة أسلوب الخنق حتى القتل، وإلقاء حجار الرحى على المارة في الأزقة الضيقة. جانب من هذا السلوك كان مدفوعًا بمحفزات عقائدية، مثلما ذكر الجاحظ عن نسوة من غلاة الشيعة في البصرة، مثل حميدة، وغيرها، كن يحترفن أسلوب الخنق لقتل الخصوم، خفية، وهناك من كان يقتل بالخنق الخفي، لغرض السطو والإجرام العادي فقط.
بالمناسبة، هذا الأسلوب، القتل بالخنق، وتحديدًا بخرقة صفراء، كان سلوكًا لجماعات شيطانية في الهند، غالبهم من الهندوس، تقربًا لآلهة الموت والحياة، ولكن انضم لهم طوائف أخرى من السيخ والمسلمين وغيرهم، بغرض السطو والنهب فقط، واستفحل شرهم وأتقنوا أساليب الخداع والتخفي، حتى إيقاع الضحية في حبال الخنق، ولكن قضت عليهم السلطات البريطانية في نحو 1850. هناك في عصرنا الحالي – بعيدًا عن القتلة المرضى بغرض الإجرام فقط – من يمارس الغيلة والقتل الخفي بهدف عقائدي، داعشي وغيره، وتلقاه بين الناس يعيش بشكل عادي.
أقل من القتل من يؤذي الناس، خاصة النساء، بإلقاء ماء النار عليهن، ثم الفرار. وقد حصل ذلك في أكثر من بلد عربي وإسلامي.
يقول الجاحظ (توفي 255هـ) عن طائفة الخناقين والخناقات، نقلاً عن حماد الراوية، ذاكرًا المرميِّين بالخنق من القبائل وأصحاب القبائل والنِّحَل، وكيف يصنع الخُنَّاق، وسمَّى بعضَهم فقال:
وكلُّهم شرٌّ على أن رأسهم حميدةُ والميلاءُ حاضِنَةُ الكِسْفِ
إذا اعتزموا يومًا على خنقِ زائِرٍ تداعوا عليه بالنباح وبالعـزفِ
والكِسْف لقب لزعيم هذه الطائفة، أي نيزك السماء، على مخالفيهم طبعًا، وكانوا يرون فيه خرافات.
الشر الخفي أكثر من الجلي!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع