الثنائي غير المرح

الثنائي غير المرح

خالد القشطيني

ما إن مررنا بنكسة 5 يونيو (حزيران) 1967، هزيمتنا أمام الهجوم الإسرائيلي، حتى انطلقت قرائح الشعراء والفنانين، تصرخ وتتباكى وتؤنب وتقارع وتسب وتشتم المسؤولين في شتى البلدان العربية. كان منها أن وقف الشاعر الشعبي العراقي مظفر النواب يلقي قصيدته المشهورة أمام الجماهير في سوريا، مخاطبًا قادة الأمة، ومن فلسطين انبرى معين بسيسو بقصيدة لا تقل مرارة وتحديًا. ولكن في مصر، بلد المنكتين والساخرين، تزاوج صوتان، صوت المقرئ الشيخ إمام وكلمات الشاعر الشعبي أحمد فؤاد نجم ليعبرا عما نسميه في العراق «نكسة عقولنا»، يوم ينكس الرجل العقال الذي على رأسه، شرفه ورمز عزته ورجولته.
وبهذا الثنائي التقى الضدان، الشيخ مقرئ القرآن والثائر مقرئ المانفيستو الشيوعي. كان الشيخ إمام رجلاً بسيطًا من الضريرين الذين نراهم في المقابر والمناسبات، يكسبون لقمة عيشهم من تلاوة القرآن الكريم والمدائح النبوية. وكان أحمد فؤاد نجم شاعرًا يتسكع بين جمهور الثوريين والناقمين دون أن يعرف كيف ينفس عن غيظه وينفثه لجموع الشعوب العربية الحائرة. التقى بالشيخ، استمع لتلاواته فوجد فيه صوتًا شجيًا دراميًا وروحًا ناقمة. وتعانق الضدان عناقًا دايلكتيكيًا في مرحلة من أحرج ما مرت به مصر.
وكانت النتيجة سلسلة من المونولوجات المشبعة بروح الثورة والتحدي والسخرية المرة:
يا ما أحلى رجعة ضباطنا من خط النار!
الفول كثير والطعمية والعيش مرار
سرت كلمات يا ما أحلى رجعة ضباطنا من خط النار في قلوب الجمهور سريان النار في الهشيم، بيد أن مرارتها القاسية في نقد القوات التي عجزت عن الوقوف في وجه الهجوم الإسرائيلي جرحت مشاعر الأمة وكبرياءها، فاضطر الاثنان إلى سحب المونولوج والامتناع عن غنائه كليا.
اضطر عبد الناصر إلى الاعتراف بفشله وقدم استقالته، بيد أن ذلك كان مثل الملح في الجرح فهاجت جماهير الشعب بما اضطره لسحب استقالته وبقي اسمه محصنا في القلوب. لم يقو الشاعر على تحدي هيبته أو النيل من شخصيته، فراح يشير إليه في مونولوجاته بعبد الجبار. ولكنه لم يجد مانعًا من مهاجمة خليفته أنور السادات:
ده الثوري النوري الكلمنجي
هلاب الدين الشفطنجي
قاعد في الصف الاكلنجي
شوكلاته وكراميلّا
يتمركس بعض الأيام
ويتمسلم بعض الأيام
ويصاحب كل الحكام وبيسطعشر ملّة
حلا ويلا يا حلا ويلا يا خسارة يا حول الله!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة