الإسكندرية سراب

الإسكندرية سراب

سمير عطا الله

التردد في مثل هذا الموقف ذنب من الذنوب. كتاب آخر عن الإسكندرية، هلمَّ إلى اقتنائه: «الإسكندرية سراب»، للألماني يواكيم سارتوريوس (الدار العربية للعلوم – ناشرون)، يا له من عنوان موجع، ولكن أليس هكذا تصبح ذكرى المدن العظيمة في عصور الزوال؟ أو الأفول؟ ماذا بقي من منافسة روما وأثينا ومتجاوزة باريس ولندن؟ لا المنارة العظيمة التي كانت تشعُّ على 70 ميلاً، ولا المكتبة التي جمعت حولها علماء الأرض، ولا لأبطال «رباعية» لورنس داريل، التي رفعت شهرته الأدبية من ملحق صحافي بريطاني في المدينة إلى أحد روائيي القرن العشرين.
لكن الإسكندرية لم تكن المدينة الوحيدة التي تكبو وتنهض على مر العصور. مدن كثيرة أشعَّت وخبت. غير أن الإسكندرية أجملها على قدر ما استطعت أن أحكم من بقاياها. أو هكذا أحببت أن أتوهَّم لشدة ما أحببت عبقها التاريخي وحكاياتها وتأرجحها بين التألق والبؤس. ولست أدري لماذا. هل للشبه مع بيروت، رغم تفوقها الجميل وعصورها الأكثر إضاءةً؟ هل لشعور بالتعاطف مع هذه المتوسطية السيئة الحظ؟ أولاً تصير مكتبتها إلى رماد، والفاعل – أو الفعل – مجهول، ومن ثم تفقد منارتها، ومن ثم يُحكم على تنوعها وتعدّدها بالإعدام: لا إيطاليون، ولا يونانيون، ولا فرنسيون، ولا بريطانيون، ولا شوام. أي اللبنانيين الذين ركبوا البحر مسافة نهار وليلة، وتوقفوا فيها دون إكمال الطريق إلى القاهرة «بالقطر». فقد كانت هي مدينة الاقتصاد والبورصة وأسواق القطن، النفط الأبيض. وفيها أسّس الأخوان تقلا «الأهرام» جريدة اقتصادية قبل أن تنتقل إلى القاهرة.
دمّر «عدوان السويس» حياة الإسكندرية. أفاق الأوروبيون فرأوا أنفسهم غرباء، وإلى حد ما، أعداء. ومنها أعلن عبد الناصر تأميم القناة، ثم تأميم الصناعات. ومع الهجرة الكبرى، زال الوجه المتعدد للمدينة. وصار يأتي إليها السوفيات الذين لم يحملوا سوى الخبرة العسكرية و«الروبل»، الذي لا يُصرف في مكان خارج المنظومة الاشتراكية.
وبقي من الإسكندرية مكتبتها الخاصة، أي ما كتب عنها المؤرخون والشعراء والعلماء والروائيون، من أيام المؤرخ اليوناني سترابون إلى أيام الشاعر اليوناني قسطنطين كفافي، شاعرها المعاصر، وعاشق أزقّتها، والرحلة اليومية بالترام الكهربائي إلى دائرة مياه الشفة، حيث عمل موظفًا عاديًا في الترجمة، قبل أن يشتهر بأجمل القصائد. وأجملها «وداعا، الإسكندرية». لكنه ودع عصره وشبابه فيها، وبقي هناك، يأتي إليه أدباء العالم، فرحين بأنه قبل أن يستقبلهم.
هل تعود الإسكندرية يومًا؟ لقد أعادت اليونيسكو بناء المكتبة. وثمة ازدهار. ولكن عندما فكرت مصر في عاصمة جديدة، جعلتها أيضًا في فناء القاهرة. «الإسكندرية سراب» محزن وجميل، يزيد في رونقه ترجمة فارس يواكيم، الأكثر دراية بالنَفَس الألماني في النصوص القادمة من بلاد غوتنبرغ، أول الطبّاعين.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com