الصداقة في زمن الحرب!

الصداقة في زمن الحرب!

زياد الدريس

لابنتي صديقة (يمنيّة) تبادلها المحبة والمودة كثيراً، درسا الجامعة معاً في باريس وتشاركا في كثير من الحفلات والمناسبات الاجتماعية التي تتنوع فيها الصداقات عادةً خارج الحدود الجغرافية.

بالأمس اكتشفتْ ابنتي أن صديقتها العزيزة اختارت أن تقف، من صراع اليمن، في صف الرئيس السابق علي عبدالله صالح، بل وشارك أخوها في تظاهرة باريسية قبل أمس مناوئة للتحالف ومؤيدة لعلي صالح!

ثم تسأل ابنتي في حيرة: ماذا يجب عليها أن تصنع تجاه صديقتها الغالية؟!

أجابت ابنتي الأصغر فوراً، وبمشاعر وطنية عارمة: قاطعيها.

ضحكتُ على اندفاع ابنتي الآن، فقلت لها تذكيراً بمواقف سابقة: ولكنكِ لم تقاطعي صديقتك (القطرية) العزيزة عليك يوم لم تكن دولة قطر عزيزة علــينا في سنين مضت!

تعمدتُ أن أضع أمام أبنائي، في نقاشنا العائلي، المشاعر الوطنية (الجماعية) إزاء مشاعر الصداقات (الفردية)، حتى يتلمّسوا الفارق بين الطبقتين المتغايرتين في العلاقات الإنسانية، فبقاء الصداقة الفردية لا ينفي الوطنية الجمعية، إذ هما شعوران إنسانيان يسيران في خطين متوازيين، ومن العبث الخلط بينهما.

قد لا يصح هذا التمييز أو الفرز بين نطاقي العلاقة الإنسانية في حالة واحدة فقط، حين تكون الخصومة ذات طابع مستديم وشامل، ولحسن الحظ أننا لا نحمل هذا النوع من الخصومة إلا مع إسرائيل والإسرائيليين فقط. ولطالما شرحت لأبنائي، بسبب الظرف السكني الآن، الفرق في العلاقة بين الإسرائيليين واليهود.

أعود للحالة اليمنية، فصديقة ابنتي اليمنية التي اختارت أن تقف مع الصف المناوئ لنا، أو ربما اختير لها أو فُرض عليها هذا الموقف بسبب ضغوط سياسية أو مصالح نفعية يضعف أمامها الإنسان أحياناً، ستعود مجدداً «الصديقة العزيزة» بعد أن تزول أعراض هذه الحالة بزوال مؤثراتها الضاغطة.

لكن ما الحل الآن ؟!

إن لم يكن ممكناً، يا ابنتي العزيزة، النأي بعلاقتكما وصداقتكما الطاهرة عن شرور الحروب التي لا بد منها، بعدم الدخول في نقاشات حربية (بالإنابة) تكون ملتبسة وباعثة للتوتر، فلتعمدي إلى تخفيف ممارسات الصداقة ما أمكن حتى تقلّ فرص التعكّر في علاقتكما الصافية. وإن وصل الأمر بصديقتك الغالية إلى أنها تشارك، أو تُلزَم بالمشاركة في فعاليات مناوئة لوطنك الغالي أيضاً، فليكن الحل الأخير والأشد قسوة هو (تجميد) الصداقة موقتاً، وليس قطعها، حتى تنقشع الغمامة الطارئة التي يمكن بوعيكما الآن منعها من حجب شمس صداقتكما الدائمة.

عندما تشتعل الحرب لا يصبح الوطن بحاجة إلى اختراع المزيد من الأعداء، بل بحاجة إلى اكتشاف المزيد من الأصدقاء.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة