ليست نصرًا للحكومة ولا للمعارضة

ليست نصرًا للحكومة ولا للمعارضة

نقلت وسائل إعلام سودانية الشهر الماضي عن الرئيس عمر البشير قوله إنه «لولا نكات الـ(واتس آب) لكان الواحد انفجر». كان الرئيس السوداني يدافع بذلك عن واحد من أكثر وسائل التواصل الاجتماعي انتشارًا بين السودانيين، وما يدور في فضائه من نكات وقصص يروح بها الناس عن أنفسهم في ظل الضغوط الكثيرة المتراكمة. وانتصر الرئيس بذلك لـ«الواتس آب»، متفهمًا القيمة السياسية لترك الناس ينفثون عن الغضب أو الضيق ما دام الأمر لم يخرج عن نطاق الفضاء الإنترنتي إلى الشوارع، وذلك في مواجهة الانتقادات الموجهة لوسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما بعد نشر قصص وشائعات أثارت ضيق النظام وأجهزته الأمنية.

واحدة من النكات التي جرى تداولها بكثرة خلال الأيام الماضية تقول: «يا رب أسألك أن تكون عطلة الانتخابات ثلاثة أيام لكي ننوم. أول يوم نفطر بالنعيمية ونحلي بالشعيرية (أكلات شعبية سودانية)، وثاني يوم نأكل قراصة ونحلي بالسكسكانية، وثالث يوم نأكل شيه (شواء) وننوم، ولما نصحى نجد الحكومة صوتت لنا، وامتلأت الصناديق ونلقى النتيجة 99 في المائة ونحن في بيوتنا مرتاحين».

النكتة تحكي واقع الحال الذي نقله مراقبو الانتخابات والعديد من وسائل الإعلام، عن الإقبال الضعيف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وكيف بدت الشوارع هادئة والحركة في مراكز الاقتراع ضعيفة، لا سيما خلال العطلة الرسمية التي منحتها الدولة للناس فاستغلوها للراحة في البيوت بدلاً من تكبد «معاناة» الخروج للتصويت. فالشعور العام السائد بين الناس على أي حال هو أن نتيجة الانتخابات محسومة سلفًا لصالح الرئيس البشير وحزب المؤتمر الوطني الحاكم، في ظل أجواء تغيب فيها المنافسة الحقيقية، ولا تتوافر المقومات الصحيحة والصحية لعملية الاقتراع، لا سيما بعد تعثر ما سمي بـ«حوار الوثبة» بين النظام والمعارضة، واختيار قوى فاعلة للمقاطعة، وتحبيذ غالبية السودانيين لفكرة الراحة بدلاً من الخروج للتصويت. هذا الأمر انعكس أيضا في ضعف المراقبة الدولية لهذه الانتخابات مقارنة بالانتخابات السابقة، إذ رفضت دول الاتحاد الأوروبي وأميركا وكندا المشاركة في المراقبة، وشككت فيها، بل وأعلنت عدم الاعتراف بشرعيتها.

إذا كان الناس لا يختلفون حول النتيجة ويتفقون على أنها محسومة لصالح الرئيس البشير الذي يحكم منذ 26 عاما إلا قليلاً، فإن الخلاف والجدل سيتركزان حول نسبة المشاركة في الانتخابات. فالحكومة تريدها نسبة عالية لكي تقول إنها تأكيد على الشرعية والقبول الشعبي، بينما المعارضة تريدها ضعيفة لكي تقول بنجاح حملتها الداعية للمقاطعة تحت شعار «ارحل». الواقع أن هذه الانتخابات لن تكون نصرًا للحكومة ولا للمعارضة، وإنما ترجمة لعزوف الناس عن الطرفين، ولإحساسهم بالإحباط واليأس في ظل الظروف السائدة، وبالتالي تعاملهم باللامبالاة مع انتخابات يرون أنها لن تغير شيئًا.

قراءة المشهد السوداني تؤكد أن الفترة المقبلة ستكون حاسمة للكثير من الأمور. فالحكومة تأمل في انفراج اقتصادي، وفي انفتاح خارجي وتحسن في وضعها وعلاقاتها بما يمكنها من توطيد وضعها، ويخفف عنها الضغوط الداخلية التي تراكمت على مدى السنين، وتضاعفت بعد انفصال الجنوب وخسارة ما يقارب 80 في المائة من عائدات النفط. وإذا نجحت الحكومة في هذا الرهان فإنها ستكسب عمرًا إضافيًا، لأن الهم الأساسي للناس في الوقت الراهن هو الهم المعيشي والاقتصادي، لكن مشكلتها وعدوها الأكبر في هذا الرهان هو الفساد، الذي استحكم واستشرى، وأصبح وقودًا أساسيًا في نيران الغضب من النظام واتساع دائرة معارضته. فكثير من الناس يعتبرون أنه حتى لو تدفق الدعم الخارجي وتحسن المناخ الاقتصادي، فإن المستفيدين سيكونون من طبقة الأثرياء الجدد ومن المفسدين، ولن يحصل الناس على فوائد حقيقية مثلما حدث عندما بددت معظم عائدات البترول بين تمويل الحروب والأجهزة الأمنية، وملء جيوب المنتفعين من النظام.

المشكلة الأخرى التي تواجه النظام هي الحروب التي لم تخمدها الحملات العسكرية، ولا المفاوضات الجزئية، ولا سياسة شق صفوف الحركات المسلحة وشراء الولاءات. فأسباب هذه الحروب حقيقية، وحلها يحتاج إلى معالجات جدية للمظالم السياسية والجهوية، وتغيير بنية النظام ومفاهيمه وتكتيكاته. فالحركات المسلحة هي التي تؤرق مضجع الحكومة وتضعف قدراتها، أكثر مما تفعل حركات المعارضة الشمالية الأخرى، لهذا ظل النظام رافضًا ومعارضًا بشدة لأي تقارب أو تنسيق بين قيادات الحركات المسلحة والمعارضة المدنية، متبعًا سياسة «فرق تسد» مع الطرفين.

هناك مشكلة أخرى تواجه النظام مثلما تواجه المعارضة، تتمثل في الهوة المتسعة مع «الشارع» السوداني، الذي تشير الشواهد إلى أنه كاظم للكثير من الغضب والاحتقان. فعزوف الناس عن الانتخابات هو في الواقع عزوف عن الطرفين، لأنهم لم يستجيبوا لدعوة الحكومة للمشاركة في مهرجان التصويت، ولم يبقوا في منازلهم تجاوبًا مع دعوة المعارضة للمقاطعة، بل اختاروا قرار «الراحة» في البيوت ولجأوا إلى الـ«واتس آب» بانتظار الفرج.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com