عندما تسخر الشواهد

عندما تسخر الشواهد

خالد القشطيني

  لا أدري ما الذي يعيدني إلى موضوع شواهد القبور. قد تجمعني بها روح السخرية. فنحن نتورع من شتم الموتى، ونرى أن للموتى حرماتهم. ولكن هذا غالبا ما أبدع فيه الكثير من أدباء الغرب، ووجدوا فيه الفرصة ليعبروا عما في خلدهم بصراحة، وكان من ذلك ما فعله أحد أساتذة الكلية الجديدة في جامعة أكسفورد؛ أوصى بأن تُكتب على قبره هذه الأبيات من الشعر:

يا قارئ كتابي لا تقع في أي خطأ

فأنا لا أستحق معرفتك حيًا أو ميتًا

اعرف فقط هذا: إن عظامي ستشكل جزءا من تراب هذه الكلية العتيدة.

المتوقع أن يقول إن مؤلفاته وأبحاثه ستشكل جزءا من كيان الكلية، ولكنه رأى غير ذلك. عظامه هي كل ما أضافه لها. وبعد أن نفذوا حكم الإعدام شنقا باللورد سنكوهر عام 1612، كتب أحد الشعراء هذه الأبيات في رثائه:

سنكوهر لم يقنع بكل هذه الأرض

فطاف فرنسا وإيطاليا وإسبانيا

 وأراد أن يختتم بسفرة عجيبة: أن يحلق في السماء فعلقوه من رقبته في الهواء!

وعندما مات السياسي البريطاني كاسلريه بعد أن صب على آيرلندا كل ما لديه من قسوة وظلم، كتب الآيرلنديون في مرثاته هذه الكلمات:

لن تجد الأجيال المقبلة مطلقا قبرا أعظم من هذا القبر

فهنا ترقد رفاة كاسلريه

فقف يا عابر السبيل وأرِقْ كل ما في مثانتك عليه!

 اتخذ بعضهم لغة المرثاة وشواهد القبور وسيلة للسخرية ممن أزعجوهم. هكذا فعل الشاعر ايبل ايفنس في رثائه الساخر للمهندس المعماري فانبره:

انظر أيها القارئ

فتَحْتَ هذه الصخرة يمتد البناء الترابي لجون فانبره

كلكِلي عليه بثقلك أيتها الأرض

فكم كلكَلَ عليك بأبنيته الثقيلة!

وكتب أحد المؤلفين نعيه الخاص، فأوصى بنقش هذه الكلمات على قبره:

مات كما شاء خالقه

ولكن في أفقر حال

أيها القارئ.. إذا شئت أن تتجنب مصيره فلا تقرأ ولا تكتب ولا تعظ الآخرين.

وتطوع رجل، فكتب شاهدا لأديب مغرور:

أيها الناس كوموا عليه زبالتكم

فمهما ازدادت ارتفاعا

فلن تبلغ قمة غروره

 وسمع شاعر بموت زميل له مفعم بالتشاؤم، فاقتبس هذه الكلمات من أدب الإغريق وأشار بكتابتها على قبره:

أنا جون سميث

متّ في الستين من عمري

ومن أول شبابي لنهاية شيخوختي

عشت دون أن أعرف أي امرأة

كم أتمنى لو أن والدي قد اقتدى بي!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com