نعم.. ولا.. ولكن.. وإلا إذا

نعم.. ولا.. ولكن.. وإلا إذا

سمير عطا الله

تعلمت من حرب لبنان ألاّ أتابع اليوميات التي تضيّع الوقت. أناس يكررون كل يوم ما لا يعرفون، والذين يعرفون، لا نعرفهم ولا نعرف من هم. وكان المعلّقون اللبنانيون، كل يوم وبلا تعب، يطلعون قرّاءهم على مواقف ومخططات أميركا والاتحاد السوفياتي، وتفكير فرنسا وبريطانيا والصين.

تابعت أخبار الاتفاق النووي الذائع الصيت من خلال العناوين. يوم تفاؤل، يوم لا. بالتساوي، ومثل لعبة زهرة الأقحوان: بتحبني؟ ما بتحبنيش. ولم أتوقف يوما عند التفاؤل، ولا عند التشاؤم، لأنه لو كان هناك حقيقة في هذا أو ذاك، لما تغيّر بين ساعة وأخرى. ولو كان الفريقان يكنّان أدنى احترام لبقية العالم، لأحجما عن معاملة الآخرين بهذا الازدراء، في مسألة بالغة الخطورة، في جوهرها وفي تفرعاتها وفي انعكاساتها على الوضع العالمي.

يتساءل المرء: من نصدّق؟ الجانب الأميركي أم الجانب الإيراني؟ التفاؤل أم التشاؤم؟ والأكثر راحة هو ألا نصدّق كليهما، لأن كليهما لا يخاطبنا، بل يخاطب جمهوره، وكليهما يمهد الطريق لإعلان نهاية الخداع، فما هو شأننا في المسألة؟ إيران لا تكفّ عن هتافها «الموت لأميركا»، و«تتصور» كل يوم مع أميركا في شوارع جنيف. وفي جبهات العراق، تتبادلان صور الحشود المعادية للفريقين، وتقاتلان من خندق واحد.

قيل لنا إن إيران تفاوض ست دول، فإذا بنا لا نرى سوى المستر كيري ووفده. وكل هذه الجلسات والنزهات من أجل الاتفاق على نسبة التخصيب؟ ولو؛ خفض الأسلحة بين السوفيات وأميركا لم يأخذ ربع هذه المدة، بما في ذلك من قواعد في أوروبا، وفي المحيط الهادي، ومن آلاف الرؤوس النووية، ومن الغواصات الغائرة في أعمال البحار. تخصيب؟ أجواء سوريا والعراق مفتوحة أمام الشيطان الأكبر، و«الموت لأميركا» لم يعد سوى يافطة من تلك اليافطات التي ملأت العالم العربي طوال نصف قرن، ازدهر خلالها عمل تجّار الأقمشة والخياطين. لم نرَ سوى ثوريين وثوار يفاوضون أميركا من أجل الحصول على وكالة تمثيل حصرية. عندما قال المستر كيري إنه لا بد من التفاوض مع بشار الأسد، خرج الرئيس السوري بعد ساعات ليقول: «ننتظر أفعالاً، لا أقوالاً». لعل الإيراني والروسي كانا على السمع. ولا ننسى الفنزويلي باعتباره الممثل اللاتيني لجبهة الممانعة.

كيري يقول، ووزارته تنفي وتوضح وتصحح. وظريف «يتصور» على البحيرة، والحرس الثوري يؤنب. والشيخ روحاني يتفاءل، وقم تكرر: «الموت لأميركا»، والديمقراطيون يهللون للاتفاق، والجمهوريون يقولون: «حبر على ورق». لا تتعب نفسك، إلاّ إذا لم يكن لديك شيء آخر تقرأه أو تكتبه. أنا في انتظار البيان الأخير، شياطين وملائكة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com