اتجاهات

ملفات التطرف والإرهاب

رضوان السيد

رضوان السيد

كاتب وسياسي لبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية

+A -A
تاريخ النشر: 12 يوليو 2020 0:46 GMT

رضوان السيد لا تصح الغفلةُ عن التطورات الأخيرة التي أثّرت وتؤثر في مسارات التطرف والتطرف العنيف في منطقتنا، والتطورات الأخيرة لا نعني بها فقط انعكاف الدول على

رضوان السيد

لا تصح الغفلةُ عن التطورات الأخيرة التي أثّرت وتؤثر في مسارات التطرف والتطرف العنيف في منطقتنا، والتطورات الأخيرة لا نعني بها فقط انعكاف الدول على نفسها بسبب كورونا، بل نعني بها أيضاً استخدام الدول الإقليمية للمتطرفين والإرهابيين.
منذ سنوات قالت الولايات المتحدة: إنّ حركة «طالبان» تعمل مع إيران، وقد قتلوا قائد الحركة بعد الملاّ عمر عقب دخوله الحدود الأفغانية عائداً من إيران، وقبل شهرين زعم الأميركيون شيئاً غريباً، مفاده أنّ الروس أيضاً يساعدون «طالبان»! وما تزال المفاوضات الجارية بين الأميركيين و«طالبان» تُراوحُ بين التقدم الطفيف والانهيار المُريع، ويقول توماس فريدمان في مقالةٍ بـ«نيويورك تايمز» عن الفشل الأميركي في أفغانستان: إنّ المفاوضات مع «طالبان» لن تنجح، ورغم ذلك سيسحب الأميركيون معظم قواتهم هناك، لأنّ الأمر معلَّق على تطور العلاقات بين أميركا وإيران، وما كانت إيران مؤثرة في «طالبان» إلى القدر الكبير الذي هي عليه الآن لولا أمران: صارت لـ«طالبان» مناطق شبه مستقرة في أفغانستان، وصارت لإيران مصلحة في «طالبان» أكبر من مصلحتها مع الحكومة الشرعية الأفغانية!
إنّ المعروض على «طالبان» من الأميركيين شديد الإغراء لجهة تقاسُم السلطة مع الحكومة الشرعية، لكن هذه ميليشيا مسلَّحة، وإذا كان الإيرانيون يقنعونها أنه بالأعمال القتالية يمكن الاستيلاء على البلاد كلّها، فلماذا لا تصبر، وسيخرج الأميركان بلا ثمنٍ سياسي ولا سلطة مستقرة، كما خرجوا من العراق؟! وهكذا فـ«طالبان» في الحقيقة ما قويت، كما ذهب لذلك فريدمان، بل صارت تعمل عند إيران، وستظل كذلك بعد «التحرير» كما حصل في غزة والعراق!
ولننظر في ملف التطرف والتطرف العنيف في سوريا والعراق وليبيا، وفي الجانب التركي بالذات، «داعش» و«القاعدة»، كلاهما ضعُف كثيراً بسبب الحروب والحصارات المفروضة عليهما، حتى في بلدان الساحل الأفريقي، فكيف بهما في سوريا والعراق وليبيا؟! ومن «داعش» هناك عشرات الألوف في السجون في المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد وتحميها القوات الأميركية، وفي المنطقة المجاورة التي يسيطر عليها الجيش التركي، أردوغان يهدّد أوروبا باللاجئين وبالإرهابيين وإعادة الأجانب منهم إلى بلادهم. لكنّ معظم هؤلاء هم من السوريين والعراقيين، ومن بعض المناطق الإسلامية في الاتحاد الروسي، ثم إنّ حشوداً من المتشددين موجودون في إدلب، وفيها عشرات النقاط والقواعد العسكرية التركية الصغيرة، وتركيا الآن لا تستخدم في ليبيا المرتزقة السوريين مدفوعي الأجر فقط، بل تستخدم أيضاً هذين النوعين من أهل التطرف العنيف: بقايا «داعش»، ومحيط «النُصرة»، باعتبار هؤلاء عقائديين (ضد العرب والمسلمين الآخرين!)، ولأنهم أكثر تدريباً على القتال! فهل يتطور الأمر من هذه الناحية لكي تصير لدى تركيا ميليشيات عقائدية سنية، تشبه ما لدى إيران من ميليشيات عقائدية شيعية في البلاد العربية؟
وهناك الجبهة الأُخرى الأكثر ضرراً على الدول والمجتمعات، وهي جبهة الإسلام السياسي، وهؤلاء متطرفون في رؤيتهم للدين، وفي رؤيتهم لحقهم في السلطة في كل مكان، وقد تحطمت القيادة المصرية للتنظيم العالمي لـ«الإخوان»، لكنهم الآن في وسائل إعلامهم واتصالهم، يتراوحون في الولاء الفكري والسياسي بين الغنوشي وأردوغان، وهم منتشرون في الجامعات ووسائل الإعلام والتواصل في عدة بلدان كما سبق القول، وقد توافدوا بكثرة إلى ليبيا من تركيا والسودان في العامين 2019 و2020، باعتبار أنهم يهيئون للدولة الإسلامية هناك!
إنّ لدينا تحديين بارزين هما: تحدي تجديد تجربة الدولة الوطنية العربية الناجحة، بحيث لا تستهوي التجارب السياسية والزعامية الأُخرى الكهول قبل الشبان! ليس في الإسلام السني، ولله الحمد، هرمية دينية أو عقدية في المجال السياسي من أي نوع، بل الجاذبية هي للحكم الرشيد، أما التحدي الآخر فهو مأسسة القيادة العربية للإسلام السني، والتي نال من هيبتها وصدَّعها التطرف والانشقاقات، ويتجاذبها الآن الإيرانيون والأتراك باستخدامهم للمتطرفين المسلحين والأيديولوجيين!

الاتحاد

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك