اتجاهات

الإمارات والخطاب العقلاني لتفكيك أزمة كورونا

عمر عليمات

عمر عليمات

+A -A
تاريخ النشر: 06 يونيو 2020 19:46 GMT

عمر عليمات في ظل انتشار فيروس كورونا، تباينت الإستراتيجيات التي اعتمدتها الدول في تعاملها مع الأزمة، بناء على ظروف كل دولة وطبيعتها، فبرغم أن العناوين الرئيسية

عمر عليمات

في ظل انتشار فيروس كورونا، تباينت الإستراتيجيات التي اعتمدتها الدول في تعاملها مع الأزمة، بناء على ظروف كل دولة وطبيعتها، فبرغم أن العناوين الرئيسية تراوحت بين الإغلاق الكلي والجزئي والتعايش مع الفيروس، فإن أغلب الدول عمدت إلى تبني نماذج تراعي خصوصيتها، وضمن هذا السياق، برزت نماذج ناجحة بشكل جعلها محط أنظار الشعوب الأخرى، نظرا لكون هذه الأزمة تمس الإنسان وصحته بالدرجة الأولى.

ومع تشعب الأزمة وتأثيراتها الاقتصادية والسياسية، إلا أن الجانب الإنساني والاجتماعي أخذ حيزا كبيرا، كونه يتعلق أساسا بسلوكيات البشر وكيفية تعاملهم مع ظروف جديدة عليهم كليا، لذا شكل الإيمان بقدرة قيادة إدارة الأزمة محورا رئيسيا في نجاح الإجراءات المتخذة، وهنا برز تعامل الإمارات مع الأزمة بصفتها قيادة قادرة على التأثير غير المباشر في ثقافة وسلوكيات المجتمع بشكل إيجابي، بحيث طبقت الإجراءات دون أي تعقيدات أو مظاهر أمنية مشددة.

المتابع لتصريحات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، منذ بداية أزمة فيروس كورونا، يجد فيها تعاملا فريدا في مضامين الخطاب والقدرة على الولوج إلى أعماق المجتمع، بحيث عمل على تفكيك الأزمة بشكل متدرج عبر الاشتباك المباشر مع التساؤلات والشواغل التي تؤرق أي إنسان في ظل أزمة لها علاقة بصحته وحياته، إذ شكلت هذه التصريحات في مجملها بناء متدرجا للخطاب الموجه إلى المجتمع، عكَس عمق الرؤية وحكمة إدارة الأزمة.

مخاطبة الشعوب في ظل الأزمات تتطلب الكثير من الحكمة لإحداث التأثير المطلوب، وفي هذا السياق دأب الشيخ محمد بن زايد (منذ بداية الأزمة) على التواصل مع قطاعات عديدة من المجتمع، وفي كل مرة يكون هناك عنوان عريض ورسالة موجهة تفكك جزءا من الشواغل المجتمعية، إذ تميز الخطاب بالتوازن الإستراتيجي المبني على مخاطبة العقل عبر التركيز على الإجراءات المتخذة، وفي نفس الوقت مخاطبة الوجدان وملامسة القلق الإنساني وحلحلته برسائل غير مباشرة.

ومن المعروف أن الإنسان أول ما يشغله في أي أزمة، توافر الغذاء والدواء، إذ إن غريزة البقاء تتحكم في سلوكه وتدفعه للتفكير مباشرة في قدرته على الاستمرار، لذا جاءت الرسالة الأولى التي حسمت هذه القضية، وبذلك تم تفكيك العقدة الأولى من الأزمة، بحيث سارت الحياة دون أي مظاهر للتهافت على تخزين السلع، بخلاف ما حصل في العديد من المجتمعات الأخرى.

وفي أي أزمة كبرى، فإن التماسك الاجتماعي يشكل قاعدة صلبة لتنفيذ الإجراءات، لذا ركزت أغلب تصريحات القيادة الإماراتية على تعزيز الشعور الوطني غير المحصور بمواطني الدولة، بل بالمقيمين أيضا، باعتبارهم شركاء في المجتمع، وهذا ما خلق حالة من التضامن عززت من تماسك المجتمع ووحدته في مواجهة الظروف الراهنة.

ولكون الإنسان بطبعه وقت الأزمات لديه حساسية عالية تجاه الأخبار السلبية، حمل خطاب قيادة الإمارات روحا من الإيجابية وتعزيز الثقة والتركيز على أن أزمة كورونا حالها حال أي أزمة أخرى، يمكن مواجهتها والتغلب عليها، فكانت الرسالة في هذه الجزئية منطقية عبر التركيز على التفاصيل المتعلقة بالوضع الصحي والاقتصادي، لإعطاء المجتمع دفعة قوية من الثقة بناء على الأرقام والمؤشرات، بعيدا عن لغة العاطفة.

ومع تطور الأزمات، تتزايد التساؤلات حول المستقبل، لذا جاء خطاب القيادة للمجتمع الإماراتي متوازنا وعقلانيا، لأن التقليل من تأثير وحجم الأزمة يعطي مفاعيل عكسية، لذلك تم تأكيد أن هناك أزمة حقيقية وصعبة، ولكن في الوقت نفسه هناك قدرة على إدارتها والتعامل معها والخروج منها على نحو أفضل من السابق.

تعود الحياة اليوم في الإمارات إلى سابق عهدها بشكل متسارع، وهناك ثقة متزايدة بأن الدولة ستعبر هذه المرحلة أسرع من غيرها من الدول، ولعل العامل الأبرز في ترسيخ هذه الثقة كان الخطاب الذي تبناه ولي عهد أبوظبي، وتمكن بفضله من إيجاد حالة فريدة من الدعم الشعبي للإجراءات الحكومية، وتحويلها إلى نمط حياة وسلوك يومي طوعي وقناعة فردية لكل شخص في المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك