بصمات قابوس – إرم نيوز‬‎

بصمات قابوس

بصمات قابوس

خيرالله خيرالله

قلائلٌ الزعماءُ في المنطقة العربية الذين تركوا بلدانا قابلة للحياة والتطور من جهة، وأن تكون على تماس مع كلّ ما هو حضاري في هذا العالم من جهة أخرى. أسّس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان دولة الإمارات العربية المتّحدة وبناها. وبنى الملك حسين الأردن الحديث. في المقابل لم يترك القادة الثوريون، من نوع جمال عبدالناصر أو معمّر القذّافي أو صدّام حسين أو حافظ الأسد أو هواري بومدين، سوى الخراب. باستثناء مصر التي تحسّن وضعها في عهد عبدالفتاح السيسي، يصعب الرهان على أي مستقبل مزدهر لليبيا أو للعراق أو لسوريا وحتّى للجزائر، اللهمّ إلا إذا حصلت معجزة في عالم بات يصعب فيه الكلام عن معجزات.

ترك السلطان قابوس الذي صعد إلى العرش في العام 1970 وتوفّي قبل أيّام بصماته الإيجابية. ترك بلدا حديثا وآمنا ومستقرّا قابلا للحياة ويمتلك مؤسسات قويّة وبنية تحتية متطورة. ترك دولة حقيقية. أمام هذه الدولة تحديات كثيرة، لكنّها تبقى دولة بكلّ معنى الكلمة، وليس جهازا أمنيا وشعارات لا تمتّ إلى الواقع بصلة. تدل على ذلك السلاسة التي تمت بها عملية انتقال العرش من قابوس إلى ابن عمّه هيثم بن طارق الذي اختاره قابوس بنفسه ليكون خليفته. قد يكون ذلك عائدا إلى أن هيثم بن طارق رجل منفتح احتكّ بالعالم الخارجي باكرا، وكان بين الذين درسوا فيه في سبعينات القرن الماضي. كان طالبا داخليا في لبنان في مدرسة “برمانا هاي سكول” المعروفة التي كان يقصدها طلاب ينتمون إلى النخبة العربية من المحيط إلى الخليج.

لعلّ الصفات الأهمّ التي تمتع بها السلطان قابوس هي الجرأة والحكمة والتسامح وبعد النظر في الوقت ذاته. لم تكن لديه عقدة الأجنبي. فعندما كانت عدن تحت الحكم البريطاني حتّى العام 1967، كان يتوقّف فيها كي ينتقل إلى لندن بحرا لمتابعة الدراسة. كان يقول إنّ طموحه أن تصبح مسقط مثل عدن في يوم من الأيّام. أين مسقط اليوم وأين عدن منها؟

في السنوات الخمسين، بين 1970 و2020، التي كان فيها قابوس سلطانا لعُمان، شهد البلد ثورة حقيقية على كلّ صعيد. كانت ثورة بالمعنى الإيجابي للكلمة. هناك الآن بلد يمتلك كلّ مقوّمات الحياة، في حين لم يكن يوجد في عهد والد قابوس، السلطان سعيد بن تيمور، سوى مدرستين وطريقين معبّدين في مسقط كلّها. تجلّت الحكمة التي يتحلّى بها قابوس باكرا عندما استطاع التعاطي مع التمرّد في إقليم ظفار الذي يشكل ثلث مساحة السلطنة. لم يجد مشكلة في الاستعانة بخبراء بريطانيين أو بجنود إيرانيين أرسلهم الشاه… أو بوحدات خاصة أردنية ساعدت في جعل الحكومة العُمانية تستعيد المبادرة في إقليم ظفار الذي مساحته مئة ألف كيلومتر مربّع.

كان واضحا أنّ ثورة ظفار كانت جزءا من الحرب الباردة التي تخللتها محاولة من الاتحاد السوفياتي لإيجاد موطئ قدم أكبر في شبه الجزيرة العربية، بما يتعدّى حدود اليمن الجنوبي الذي صار دولة مستقلّة منذ العام 1967. لم يلجأ السلطان قابوس إلى الانتقام بعد القضاء على التمرّد ومحاصرته. على العكس من ذلك اعتمد سياسة تقوم على الاستيعاب. فاعتباراً من العام 1974 بدأ المتمردون يتراجعون، حتى أصبحوا شبه محاصرين في الجبال والمناطق النائية وراح دعم قبائل ظفار لهم يتقلص بشكل واضح خصوصا بعدما تبنى التمرد المبادئ الماركسية. كان ردّ فعل السلطان قابوس أن أصدر عفواً عاماً عن المتمرّدين، فسلم المئات منهم أنفسهم من بينهم مطلق التمرّد مسلم بن نفل. عندئذ، عفا عن جميع المعتقلين الذين صدرت بحقهم أحكام بالإعدام والسجن المؤبد أو لفترات طويلة. في موازاة العفو، أنشأ السلطان قوات عسكرية شبه نظامية تحت إشراف الحكومة سماها قوات الفرق الوطنية. ضم إلى هذه الفرق المتمرّدين ورجال قبائل إقليم ظفار. رفض مسلم بن نفل تسلم قيادة هذه القوات رغم إلحاح السلطان قابوس، كما رفض أي منصب وزاري وعاش بقية حياته في ظفار مواطناً عادياً حتى وفاته عام 2013. ترافق ذلك مع إطلاق السلطان ورشة عمرانية في إقليم ظفار، مستعيناً بخبراء ومهندسين من بريطانيا وإيران وباكستان والأردن ولبنان. لم يتردد في جعل عدد من المتمردين وزراء في حكومته. من بين هؤلاء يوسف بن علوي وعبدالعزيز الروّاس.

سمح الوضع الداخلي لقابوس بأن ينقل جرأته إلى السياسة الخارجية. لذلك كان لافتا موقفه المتحفظ من القطيعة العربية مع مصر بعد زيارة أنور السادات للقدس في خريف العام 1977، ثمّ انعقاد القمّة العربيّة في بغداد بضغط من البعثيْن السوري والعراقي في 1978. لم تتمثل السلطنة في قمّة بغداد سوى بوكيل وزارة الخارجية…

لم تقطع السلطنة خيط معاوية مع مصر. اضطر العراق إلى اللجوء إليها من أجل التوسط مع أنور السادات كي تزوّده مصر بمعدات عسكرية كان في أشد الحاجة إليها في مرحلة ما بعد اندلاع الحرب مع إيران في العام 1980. لم يؤدّ ذلك إلى تغيّر في العلاقات العُمانية – الإيرانية التي هي من الثوابت في السلطنة. بقيت السلطنة، التي تشارك إيران في الإشراف على مضيق هرمز تؤمن بأن العلاقة معها ليست قضية أشخاص، بل قضية مرتبطة بالجوار الإيراني والجغرافيا. ما يؤكد ذلك الدور الذي لعبته السلطنة في تسهيل التوصل إلى الاتفاق في شأن الملف النووي الإيراني الذي وُقّعَ صيف 2015.

يمكن الحديث طويلا عن التميّز العُماني والقدرة على اعتماد سياسات مختلفة داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، خصوصا عندما يتعلّق الأمر باليمن والعلاقة بالحوثيين، وحتّى بإسرائيل. استقبل السلطان قابوس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في تشرين الأوّل – أكتوبر 2018 في مسقط. لم تنبس إيران ببنت شفة. بدت راضية عن وجود “دولة الرئيس” بنيامين نتانياهو في عاصمة سلطنة عُمان وممتنة لذلك الوجود!

هل كانت مسيرة قابوس من دون شوائب؟ بالطبع لا. أدار الرجل، عاشق الموسيقى الكلاسيكية، السلطنة في السنوات العشرين الأولى من عهده بدقّة متناهية، واضعا معايير صارمة وخطوطا عريضة كان يشرف على تنفيذها بنفسه. هناك منذ ما يزيد على عشر سنوات مظاهر ترهّل للنظام الذي اعتاد المسؤولون فيه على خريطة طريق لا يزيحون عنها.

أي دور سيكون للسلطان الجديد هيثم بن طارق في إعادة الحيوية إلى أجهزة الإدارة العُمانية؟ وهل ستكون لديه القدرة على تطوير السياسة الخارجية بعيدا عن عقد معيّنة لدى أشخاص معروفين في مرحلة يتغيّر فيها كلّ شيء في المنطقة، بما في ذلك في إيران نفسها؟

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com