المظاهرات في إيران هل تكون نهاية لمشروعها الإقليمي؟ – إرم نيوز‬‎

المظاهرات في إيران هل تكون نهاية لمشروعها الإقليمي؟

المظاهرات في إيران هل تكون نهاية لمشروعها الإقليمي؟

تاج الدين عبد الحق

من المؤكد أنها لحظة تاريخية فارقة في تاريخ المنطقة، وهي تشبه ـ في زخمها وقوتها ـ تلك اللحظات التي يتغير فيها وجه التاريخ في مناطق التوتر، مؤسسًا لعالم مختلف وصورة جديدة.

هذا بالضبط ما يحدث الآن في إيران وأذرعها الممتدة في طول الشرق الأوسط وعرضه. فالمظاهرات التي اندلعت قبل أكثر من شهر، في كلّ من العراق ولبنان، وصل صداها اليوم إلى طهران واضحًا وجليًّا. وكأنها تتحرك وفق إيقاع واحد، وتتجه إلى الأهداف والغايات نفسها، ونتيجة للأسباب ذاتها، كما لو أنها تؤسس لمرحلة جديدة تتغير فيها معالم المشهد الإقليمي برمته، وتتحدد على ضوئها ملامح ما يحمله المستقبل لها من متغيرات.

فمنذ بدء التظاهرات، لم يختلف الصوت في العراق ولبنان، عن صداه في إيران، حتى في التفاصيل، والمسميات، فالأحوال المعيشية الخانقة التي أشعلت فتيل الاحتجاجات هناك، وامتد  لهيبها إلى إيران، لم تكن إلا القطرة الأخيرة، التي أفاضت كأسًا مليئة بإرثٍ كبير من الأزمات.

ولم يكن صدفة أن تندلع التظاهرات في الدول الثلاث بوقت متزامن. وليس صحيحًا أن هذا التزامن دليل على وجود استهداف خارجي مسبق لهذه الدول، بقدر ما هو دليل على أنها تواجه شكلًا واحدًا من الأزمات، حتى وإن اختلفت التسميات، وتباعدت المسافات، وتباينت الشعارات.

فالمطالب الحياتية اليومية، التي رفعها المحتجون في الدول الثلاث لم تكن سوى رأس جبل الجليد الذي تراكم عبر أربعين عامًا، دخلت فيها إيران على خط الحياة السياسية والاجتماعية والطائفية لدول المنطقة، مُحْكِمة سيطرتها ونفوذها على عناصر اتخاذ القرار فيها، وعلى آليات عملها، وعلى توجهات أجهزتها.

طوال هذه الفترة كانت الحروب والأزمات تتوالى، وكان الخطاب الأيديولوجي والطائفي هو شرارة هذه الحروب ووقودها. ومن رحم هذه الحروب وبفعلها، تحولت أكثر دول المنطقة موردًا، وأعرقها تاريخًا، إلى دول تقف على حافة الفشل والتمزق.

ففي إيران التي كان البعض ينظر إلى نجاح ثورتها، عند اندلاعها عام 1979، على أنه بداية عهد جديد في المنطقة، تتخلص فيه من أطماع الشاه بالهيمنة، ومن طموحاته وأحلامه بالتوسع على حساب دول الجوار، أخذ المشهد يتحول عمليًّا، إلى ما يشبه الكابوس لهم، بعد أن أفصح ”الثوار الجدد“، عن أهدافهم ورغبتهم في تصدير أنموذجهم الثوري، لتأخذ أحلام ورثة الشاه بُعدًا عمليًّا، وتهديدًا صريحًا، ولتتحول مع الوقت إلى إستراتيجية، حكمت سياسة طهران وتوجهاتها طوال العقود الأربعة الماضية.

 في إيران -أيضًا- كان البعض يظن أن معاناة الإيرانيين مع جهاز مخابرات الشاه  ”السافاك“، ستنتهي، بسقوطه إلى غير رجعة، لكنهم اكتشفوا، أن ذلك الجهاز على بشاعة ممارساته، وقوة سطوته، أقل عسفًا ودموية من الأجهزة الثورية التي حكمت البلاد بعد ذلك، بالحديد والنار، وتلطخت بإعدامات طالت المئات، وتصفيات تجاوزت الآلاف.

وبموازاة ذلك، وعلى وقع التصفيات الداخلية والحروب والأجندات الخارجية، كانت موارد إيران تتبدد، إما على شكل نفقات في حروبها الأيديولوجية، وإما في إنفاقها وتصنيعها العسكري، فيما كان الإيرانيون يئنون تحت وطأة البؤس والفقر.

وعلى مدى أجيال متعاقبة ظلوا يدفعون باستمرار ثمن الحصار الذي فرض عليهم بسبب ممارسات ساستهم، وأحلام المتحكمين بالقرار في وطنهم.

اعتقد القادة الإيرانيون ـ في نشوة السلطة ـ أن نجاحاتهم العسكرية في العراق وسوريا ولبنان، توفر الغطاء والمبرر لفشلهم، وتتيح لهم الهروب من إخفاقاتهم الداخلية، لكنهم لم يفطنوا إلى أن الأنموذج الذي حاولوا تصديره لجيرانهم، هو نفسه الذي سيقصم ظهرهم في الداخل، ويطيح بآمالهم في الخارج.

التناغم بين ما يجري في إيران وما يجري في العراق ولبنان، ليس دليلًا – كما تقول إيران- على مؤامرة كونية يتعرض لها ”المشروع الثوري“ في المنطقة، بل تأكيد لصدقية الذين كانوا يرون في التمدد الإيراني سببًا للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تكاثرت وتفاقمت في إيران، قبل أن تتحول إلى قنبلة تنفجر بوجهها، وتنذر باقتلاع مشروعها في الإقليم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com