الرياض.. سرعة التغييرات ومفاد الرسالة

الرياض.. سرعة التغييرات ومفاد الرسالة
محمد فهد الحارثي

ربما لم تشهد الرياض إيقاعاً سريعاً وقوياً في القرارات مثلما شهدت الأسبوع الماضي. هذه العاصمة التي اشتهرت بالحركة الهادئة، والبعض يصفها بالبطيئة، كانت مثار تتبع وكالات الأنباء العالمية والمراقبين السياسيين.

فبعد القرارات الفورية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، المستندة إلى هيئة البيعة، في ترتيب بيت الحكم وتعيين ولي العهد وولي ولي العهد، وانتهاء البيعة والتوافد العالمي المهيب لزيارة السعودية وتقديم التعازي في وفاة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، والتهاني لتولي الملك سلمان مقاليد الحكم، أعلنت حزمة من القرارات الملكية لتشكيل مجلس وزراء جديد، وتنظيم العمل الإداري للحكومة السعودية، وضخ دماء جديدة في الهيئات والمؤسسات الوطنية.

الملك سلمان شخصية حاسمة وقيادية، ومنظم في الفكر الإداري والتنموي. ويقول عنه العارفون به إنه قوي وسريع في اتخاذ القرار، متى ما اقتنع بأنه يصب في مصلحة المواطن والدولة. وقد بادر بضخ 110 مليارات ريال داخل الاقتصاد السعودي، من خلال صرف رواتب ومخصصات دعم حكومية.

وهذه القرارات ستنعكس إيجاباً على دورة الاقتصاد السعودي الداخلية، ويتوقع محللون اقتصاديون أنها ستزيد من حركة التدوير المالي بنسبة تتراوح بين 70 و80%، ورسالة تطمين بأن الدولة تضع راحة المواطن في أولوياتها، رغم تراجع أسعار النفط وما صاحبه من توقعات سلبية.

القرار المهم تنظيمياً والذي سينقل عمل مجلس الوزراء نقلة نوعية، هو إنشاء مجلسين للوزراء بشكل مصغر؛ الأول مجلس الشؤون السياسية والأمنية برئاسة ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية الأمير محمد بن نايف، ويضم في عضويته وزراء الخارجية والحرس الوطني، ووزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ووزراء دولة.

ووزير الثقافة والإعلام، ورئيس الاستخبارات العامة. وينتظر أن يمارس المجلس الدور الأهم في صناعة القرار السعودي، بحيث يصبح المرجعية في القرار السياسي والخطط الأمنية والعسكرية في صناعة القرار، لرفعه لخادم الحرمين.

وجاء إلغاء مجلس الأمن الوطني لضمان عدم وجود تضارب في المجالس، وتقليص البيروقراطية في العمل الحكومي. ويلاحظ أن رئيس الاستخبارات العامة هو العضو الوحيد من خارج مجلس الوزراء، ويأتي هذا الاستثناء لارتباط العمل الاستخباراتي بشكل وثيق مع العمل السياسي والأمني للدولة.

وتكمن أهمية وجود هذا المجلس المصغر في جمع صانعي القرار السياسي والأمني في مجلس واحد، ومن داخل مجلس الوزراء الذي هو السلطة التنفيذية الأكبر في الدولة. وهذا يقوي دور مجلس الوزراء وفعاليته في اتخاذ القرار، ويضمن وصول القرار بشكل مباشر إلى صانع القرار الذي هو الملك، وفي نفس الوقت رئيس مجلس الوزراء.

أسلوب مجموعات العمل المصغرة هو الأسلوب الذي يتبعه كثير من الحكومات، بحيث تضمن سرعة اجتماعاتها ومرونة قراراتها وخبرة أعضائها، ‪وهي تستعين بأفضل الخبرات كفرق دعم مساندة لصناعة القرار، وتعتبر حكومات عمل مصغرة، وتعمل بوتيرة أسرع وبتجانس أكثر للوصول إلى القرارات المهمة.

وأهمية مجلس الشؤون السياسية والأمنية، أن دور الوزارات السيادية سيجعلها تعمل بمفهوم العمل الجماعي كوحدة واحدة في الفكر والأهداف، وهذا يمنع أي تعارض بين مواقف هذه الوزارات أو تداخلها بشكل يؤثر في الخطوط العامة لاستراتيجية الدولة

والمجلس الثاني الذي لا يقل أهمية عن المجلس السابق، والذي سيرتبط باحتياجات ومصالح المواطن مباشرة، هو مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، الذي يترأسه الأمير محمد بن سلمان وزير الدفاع رئيس الديوان الملكي والمستشار الخاص لخادم الحرمين.

وهذا يدشن لبناء مؤسساتي داخل مجلس الوزراء، وسيرفع هذا الفريق من فعالية مجلس الوزراء بحيث تكون القرارات أخذت نصيبها من الدراسة والتباحث في المجلس المصغر، وبالتالي تضمن صوابية القرار وتوافق الوزارات والجهات ذات العلاقة على خطة التنفيذ.

إن إعادة هيكلة عمل الحكومة خطوة مطلوبة، خاصة أن الظروف الاقتصادية وسرعة إيقاع التنافس في الأداء الاقتصادي والتنموي في دول العالم، يجعل هناك مهمة ملحة لتحفيز الجهاز التنفيذي للعمل بإيقاع أسرع، وتقليص البيروقراطية وتعزيز مشروع التنمية المستدامة.

الملك سلمان يثبت أن التجديد في عمل الدولة ليس فقط بالتغير الوزاري الشامل، والذي ضخ فيه دماء جديدة وشابة لتعزيز العمل الحكومي وتحديث الذهنية الإدارية في العمل السياسي.

بل اتجه إلى مشروع الهيكلة في عمل الدولة، وإلغاء 12 مجلساً تتعلق بسياسة التعليم والبترول والمجلس الاقتصادي الأعلى ومجلس الأمن الوطني وغيرها من المجالس، ليضمن وحدة وتجانس القرار الحكومي، بعيداً عن التضارب والتباين بين المجالس وبين مرجعية القرار التنفيذي الذي هو مجلس الوزراء. وما يلفت الانتباه هو السرعة في القرارات، والوضوح والحسم في محتواها.

والسبب أن الملك سلمان نفسه هو أحد أعمدة الحكم في السعودية منذ أكثر من خمسة عقود، ومشارك في القرار السياسي والاستراتيجي داخلياً وخارجياً. وتجربته التنموية الهائلة في إمارة الرياض من خلال الهيئة العليا لتطوير الرياض التي كان هو نفسه يترأسها، جعلت الصورة واضحة لديه في معرفة مواقع الخلل وآليات التطوير والتحديث.

السعودية تنتقل إلى مرحلة جديدة من العمل السياسي والتنموي، والتعديلات الهيكلية في عمل مجلس الوزراء والتجديد في أعضائه تعطي رسالة لبداية قوية وحاسمة، وهي خطوة مهمة في مشروع طويل وصعب، وهو التحديث والإصلاح في السعودية، المشروع المهم والمستمر الذي يراهن عليه السعوديون.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com