أهل هيروشيما

اختلفت صورة الياباني عندنا (رغم حروبه في آسيا) عن الأميركي والفرنسي والبريطاني والإيطالي والبرتغالي.. فلا علاقة له بأي مرحلة استعمارية، ولا بأي سجن كبير أو صغير.

سمير عطا الله

الياباني في الوعي العربي صورة واحدة: رجل ربعي القامة، لا يؤدي التحية بالمصافحة، بل بالانحناء باسما، ثم مكررا الانحناء باسما، ثم.. ثم.. أيضا وأيضا، لكي يعبر لك عن مدى سروره بلقائك ومدى تقديره. شاهدناه عاملا في حقول النفط، وبائع ترانزستورات متينة تخدم مدى الحياة، في المنازل وفي الحقول، وبائع سيارات للأغنياء والبسطاء، لا تخطئ ولا تدب فيها الحرارة في طلعة برمانا. واشترينا منه تلفزيونات هو مسؤول عن ألوانها، لا عن صياحها.

اختلفت صورة الياباني عندنا (رغم حروبه في آسيا) عن الأميركي والفرنسي والبريطاني والإيطالي والبرتغالي.. فلا علاقة له بأي مرحلة استعمارية، ولا بأي سجن كبير أو صغير. باعنا سيارات واشترى نفطا وزيوتا وبعض مواسم التفاح. رأى أن من الصعب أن نتعلم لغته المليئة بالصوتيات المفاجئة، فتعلم هو لغتنا. ولا أنسى هؤلاء السادة الباسمين عندما كان أحدهم يدق باب المكتب في الكويت ويدخل منحنيا، ثم يقترب منحنيا، وعندما ينتهي من طوفان التأدب والتبسم والانحناء، يقول في لغة فصحى مثل بني تميم: أنا طوكيو أوقا كاما أيوتسي من شركة الزيت في المنطقة المحايدة، هل يسمح وقتكم باستقبالنا؟

أهلا بكم أيها السيد أوقا كاما. يجلس كأنه على كرسي كهربائي، خجولا من نفسه، ثم يعتذر عن لغته العربية، طالبا الغفران لأنه لم يمض في دراستها في الجزائر أكثر من ثلاث سنوات. كم خطر لي السيد أيوتسي وأنا أرى صورة الشبح الأسود، شبح الموت والقتل والسكين، رافعا سلاحه فوق عنق الرهينة الياباني الأول والثاني. قالت «داعش» إنها ذبحتهما لأن بلدهما يساعد التحالف. وهذا كذب. بلدهما لم يدفع فدية 200 مليون دولار.

وفي أي حال، أليس إثما أن تزر وازرة وزر أخرى؟

لا يعني ذلك أن ذبح الرهائن الآخرين أكثر إنسانية وتحضرا. ولا يعني أن استضعاف أميركي أو بريطاني أو فرنسي سوف يعوض علينا سنوات الاستعمار أو عدوان جورج دبليو بوش. نحن، بالعنف الهمجي، لا نعوض شيئا، بل نرسم لأنفسنا على جدران منزل كل ياباني صورة قاتل لم يصغ إلى نداء ضحيته وتوسلات أمهات الرهائن. لقد أصبحت تلك الصورة المكررة، صورة الشبح العدمي الأسود فوق عنق ضحيته، كأنها خارجة من الجحيم، وليس من العراق، وقد أنست الناس حكايات السجون العربية والأقبية وطرق العدم في كل الاتجاهات.

ولو كنت مكان الجامعة العربية لاعتذرت، باسم الجميع، إلى أهل هيروشيما، الذين يرون اليوم شيئا كأنه أفظع مما حدث لهم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة