فرص نجاح الوساطة مع إيران

فرص نجاح الوساطة مع إيران

تاج الدين عبد الحق

إلى الآن لا توجد معطيات حقيقية يمكن التعويل عليها، كمؤشرات على انفراج سياسي ممكن، أو محتمل مع إيران، أوعلى إمكانية نجاح ما يقال عن وساطات، وما يتم تناقله من تصريحات، في هذا الشأن.

وما قاله وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عن استعداد إيراني ”لأخذ السعودية بالأحضان إن هي غيرت سلوكها ”، هروب للأمام، وهو ليس أكثرمن تغطية على موقف إيراني كل ما فيه يحمل نذر المواجهة، ومظاهرالتصعيد، أو في أفضل الأحوال ليس أكثر من محاولة لاحتواء تداعيات الاعتداء الأخير على المنشآت النفطية السعودية، والذي يشير معظم المراقبين إلى أنه يحمل نكهة إيرانية تخطيطًا وتنفيذًا.

وحتى المسعى الذي قالت بعض المصادر إن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي كان يقوم به بين طهران والرياض، عَده كثيرون مبادرة أرادت منها بغداد رفع تهمة عن نفسها، بضلوعها –على نحو أو آخر – في ضرب منشآت أرامكو السعودية، سواء أكان ذلك عن طريق استخدام الأراضي العراقية منطلقًا للطائرات المسيرة  ”الدرون“  التي استهدفت المنشآت، أم من خلال الميليشيات العراقية الموالية لإيران والتي تعمل وفق أجندة إيرانية خالصة، وخدمة لمصالح طهران في الإقليم.

الحديث عن الوساطة، وعرض استعداد لقبولها، لا يعني بالضرورة تغير المزاج السياسي في المنطقة، وتبدل الأجندات والمطالب. وقد علمتنا الأحداث المتوالية أن تصعيد الكلام السياسي، لا يعني بالضرووة انفراجًا، بل قد يكون غطاءً لتحضيرات ساخنة، أو مقدمات لمواجهات محتملة.

رأينا ذلك في حرب الخليج الثانية التي استهدفت إخراج القوات العراقية من الكويت، إذ وصلت الجهود السياسية في ذلك الوقت، لتفادي المواجهة العسكرية، والوصول إلى تسوية سياسية لأزمة احتلال الكويت، إلى حد عقد لقاء بين وزيري الخارجية في ذلك الوقت، الأمريكي جيمس بيكر والعراقي طارق عزيز في جينيف، لنجد في النهاية أن تلك الجهود لم تكن أكثر من تمهيد سياسي لتلك الحرب، التي لم تُخرج العراق من الكويت فقط، بل أخرجتها من المعادلة الإقليمية برمتها.

في المواجهة الحالية مع إيران هناك قواسم مشابهة لما حدث في السابق مع العراق في التسعينيات، سواء من جهة الحجم، أو من جهة نوع ما كان يطلب من بغداد في ذلك الوقت.

وكما في سابقة العراق، فإن ما هو مطلوب من إيران اليوم أكبر من حجم  المساعي السياسية الجارية حاليًّا، وأكبر من طاقة الاستجابة، التي تملكها القيادة الإيرانية.

ما هو مطلوب من إيران هو تعديل شامل في التوجهات الأيديولوجية، وفي دورها، وتدخلاتها الإقليمية، وطموحاتها العسكرية، وهي توجهات وتدخلات وطموحات، لم تعد قاصرة على النوايا، بل لها مفاعيل واضحة على الأرض ابتداءً من المشروع التسليحي الإيراني، مرورًا بالتمدد إلى الجوار الإقليمي القريب في العراق وسوريا، ونحو الجوار البعيد في اليمن ولبنان، وانتهاءً بمحاولات التوسع الأيديولوجي لتحقيق طموحات في الساحة الإسلامية ككل.

هذه الحزمة المعقدة من الاستحقاقات التي يتعين على إيران تأمينها لدفع وإنجاح المساعي السياسية للخروج من المواجهة، ومن أزمة الثقة التي تعيشها مع دول الإقليم، لا يمكن أن تستجيب لها القيادة الإيرانية بتركيبتها الحالية، كما أنها لا تبدو متناسبة مع نوع وطبيعة المساعي الدبلوماسية القائمة حاليًّا، والتي لا تتناسب مع عوامل التوتير المنذرة بالتصعيد أكثر من التبشير بالتهدئة.

العلاقة الإقليمية مع إيران، ليست وحدَها على المحك، وخلافاتها ليست مع دول المنطقة فقط، بل مع قوى عديدة. والذين يتلقفون إشارات التهدئة الإيرانية هم الذين لم يدركوا بعد، المدى الذي تشكله إيران، كتحد، لا لدول الإقليم فقط، بل للمجتمع الدولي ككل. وهي عندما تحصر الأزمة الحالية بالخلاف مع دول المنطقة، عارضة الاستعداد للتفاوض معها، إنما تفعل ذلك لإغراء هذه الدول بفك ارتباط أمنها بالأمن الدولي، وصولاً للانفراد بالقرار الإقليمي والسيطرة عليه وتوجيهه، عند الاقتضاء، لخدمة أهدافها الإستراتيجية التي لم تتغير أو تتبدل منذ أعلنت قبل أربعين عامًا، أنها تعمل على تصدير الثورة، وتسعى إلى تعميم النموذج الإيراني  في عموم المنطقة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com