إسرائيل.. حكومة شراء الوقت

إسرائيل.. حكومة شراء الوقت

تاج الدين عبد الحق

لا أحد يعوّل على نتائج الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، لتحريك المياه الراكدة في عملية التسوية، فيما تطغى الخلافات بشأن القضايا الداخلية والمماحكات الحزبية والمصالح الشخصية على مسار التشكيل الحكومي المنتظر، وكأن التسوية هي آخر هموم المتسابقين لرئاسة الحكومة المقبلة، أو الساعين للانضمام لها.

نتنياهو الذي تلاحقه قضايا فساد، معني بالدرجة الأولى بالتخلص من الملاحقة القضائية التي لا تطيح بمستقبله السياسي فحسب، بل قد تكون سببًا في أن يختم مسيرته الحافلة في غياهب السجن، كما حدث لسلفه يهود أولمرت. فوجوده في رئاسة الحكومة حتى لو كان على أساس التناوب مع خصمه، قد يعطيه حصانة إزاء الملاحقة القانونية، التي تلوح في الأفق وتهدد مستقبله السياسي ككل.

أما الفائز الآخر في الانتخابات بيني غانتس رئيس حزب كاحول لافان، فإن سعيه لتشكيل حكومة مع نتنياهو، له بعدان: الأول تقليص الأثر السياسي لتأييد القائمة العربية لغانتس كرئيس للحكومة، وذلك لأول مرة منذ قيام الكيان العبري على أرض فلسطين. فهذا التأييد يضعف صورة غانتس في الأوساط اليهودية التي ترى فيه نوعًا من التحالف مع أعداء “ إسرائيل “ التقليديين، ومقدمة لتنازلات قد لا يكون المجتمع الإسرائيلي، قابلًا بها، أو مستعدًا لها.

أما البعد الثاني لفكرة الائتلاف مع نتنياهو، فيتمثل في أن غانتس يحاول من خلال هذا الاتفاق، خلخلة جبهة اليمين الإسرائيلي. فحسب التقارير والتحليلات حول مفاوضات تشكيل الحكومة، فإن نتنياهو لا يتفاوض باسم تكتل الأحزاب اليمينية التي تحالف معها خلال الانتخابات، بل باسم حزبه فقط، وهو تكتل الليكود.

ويرى المتابعون للشأن الانتخابي الإسرائيلي، أن هذا يتيح لغانتس ثأرًا من الأحزاب اليمينية التي أقصت اليسار الإسرائيلي عن الحكم لعدة سنوات، فضلًا عن أنه قد يضعف الليكود إذا فشلت جهود تشكيل الحكومة الحالية، وتمت الدعوة مجددًا لانتخابات جديدة للمرة الثالثة خلال شهور.

القائمة العربية، التي تدخل لأول مرة حلبة التفاوض لتشكيل الحكومة، هي بيضة القبان بين الحزبين الكبيرين المتنافسين على الفوز برئاسة التشكيل. وهذه القائمة لا تدخل المفاوضات على أساس موقف الحزبين من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل من أجل بعض القضايا المتصلة بحقوق الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، مثل مبدأ المساوة، والاعتراف بالقرى العربية الفلسطينية غير المُعترَف بها، وإلغاء «قانون كامينتس» الذي يُشرعِن هدم البيوت وفرض الغرامات، دون الرجوع لأي مرجع أو مسوغ قانوني (كالمحاكِم)، ناهيك عن سياسة مصادرة الأراضي، والمطالَبة بخطة لمكافحة العنف والجريمة في المدن والقرى الفلسطينية.

خارج هذه الكتل الثلاث، يقف وزير الدفاع السابق افيغدور ليبرمان، المثير للجدل والذي حصل حزبه على عشرة مقاعد، فخلافاته مع نتنياهو التي أطاحت بتحالفهما في الماضي لا تزال قائمة، فضلًا عن أنه على خلاف حاد مع الأحزاب الدينية التي حصلت بمجموعها على 24 مقعدًا، والتي تشكل مكونًا أساسيًا من مكونات التكتل اليميني بزعامة الليكود، وبالتالي فإن من الصعب تشكيل ائتلاف موسع يضم بالإضافة إلى الليكود، الأحزاب الدينية وحزب ليبرمان، علمًا بأنه لو حدث ذلك لحصل هذا الائتلاف ”المستحيل“ على 66 مقعدًا من مقاعد الكنيست البالغة 120 مقعدًا، وعندها لن يكون هناك فرصة أمام غانتس للوصول لرئاسة الحكومة.

الخروج من عنق زجاجة التشكيل، يكمن في وصول نتنياهو وغانتس لاتفاق على تشكيل ما يعرف بحكومة وحدة وطنية، لا يضطر فيها الحزبان الكبيران للتنازل لا للقائمة العربية، ولا لحزب ليبرمان. وإذا حدث ذلك، فإن مثل هذه الحكومة ستكون ”حكومة شراء الوقت لا أكثر“ ؛ لأنها ستكون عاجزة عن اتخاذ قرارات حاسمة في قضايا كثيرة تتباين فيها مواقف حزب نتنياهو الليكود، ومواقف حزب غانتس كاحول لافان.

ظاهر الأمر، أن تشكيل حكومة وحدة وطنية يقلص الذرائع التي حالت لسنوات طويلة دون التقدم في عملية التسوية، لكن التباين الكبير في مواقف طرفي هذه الحكومة من هذه القضية وغيرها من القضايا، سيعجل بانفراطها عند أول منعطف، وأول اختبار لامتحان مدى صلابة الاتفاق بين مكوناتها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com